وصلتني من الأخت العاصفة رسالة خاصة وجدتُ فيها الإلحاح والإصرار منها علّي لأضع بعض ما يتعلق بالعروض وتفعيلاته، وعلى الرغم من انتظارها الجواب مني إلا أنني فضلت أن أجد أنسب وقتٍ لي لأضع بين يديكم بعض الأبجديات في هذا البحر العميق، وطبعاً هذه الأبجديات من شخص مبتدأ واعتمدت في موضوعي هذا على نفسي أولاً ولمْ ألجأ لأي كتاب، إلا في حالات الضرورة فاعذروني عن أي خطأ أو تقصير.
شرح موجز عن العروض:
كان شعراء العرب على اختلافهم ينظمون الشعر دون النظر لقواعد أو الاستناد للنحو وكانت لغتهم سليقة، وعندما جاء الخليل ابن أحمد الفراهيدي وبحث في الشعر وجد شيء غريب جعله يستوقف عنده، وهو أن الشعراء على اختلافهم وعلى كثرة قصائدهم، إلا أنهم لم يخرجوا عن إطار وقواعد اكتشفها وجعلها أساس لعلم العروض، فعلى الرغم من القصائد الكثيرة، لم تخرج هذه القصائد عن 15 بحر شعري، وأضيف إليهم بحر آخر اسمي المستدرك لأنه استدارك للبحور التي وجدها الفراهيدي، وقد اكتشف هذا البحر أحد طلابه وهو الأخفش الأوسط (سعيد من مسعدة).
والعروض هو علم بأصول يعرف به سليم الشعر من فاسده، وما يعتريه من وحفٍ وعلل.
وبطبيعة الحال فإن العروض هو علم موسيقى الشعر، أي ما يتعلق بالسلم الموسيقي للشعر، ويتمكن معلمه بالتالي من تذوق النصوص الشعرية والاحساس بها والتمييز بين بحورها، وهكذا ..
وإذا رجعنا لموضوعنا الأساس وهو أبجديات الشعر، نرى بأن الخليل واضع أسس هذا العلم استوقفه 15 بحر شعري وهي في الحقيقة الأوزان الموسيقية التي خضع لها الشعر، فمم يتكون الشعر ؟!
يتكون الشعر من أبيات وهذه الأبيات تتكون من شطرين ويتكون هذين الشطرين من تفعيلات هي أساس الشعر والوزن الشعري، فما هي هذه التفعيلات ؟!
التفعيلات:
يوجد في الشعر 8 تفعيلات وفي الأساس هذه التفعيلات تعتمد على حركة وسكون الحرف، وحالة الحرف هي التي تعطي الموسيقى للتفعيلة، والتفعيلات هي:
فاعلن – فاعلاتن – مستفعلن – مفعولاتُ – فعولن – مفاعيلن – مفاعلتن – متفاعلن.
فلو امعنا النظر لهذه التفعيلات لوجدنا أن لكلٍ منها موسيقى معينة، وذلك بسبب حالة الحرف من حركته وسكونه، وكلها تختلف عن الأخرى من ناحية حالة الحروف المركبة لهذه التفعيلة.
فمثلاً لو قطعنا التفعيلة (فعولن) = لوجدناها تتكون من حرف متحرك يليه متحرك وبعده ساكن ويليه متحرك ويليه ساكن، وحتى لا نضطر لكل هذه المساحة لتفصيل التقطيعات، سأعوض المتحرك بـ: / ، والساكن بـ: 5
فاعلن: /5//5 – فاعلاتن: /5//5/5 – مستفعلن: /5/5//5 – مفعولاتُ: /5/5/5/ - فعولن: //5/5 – مفاعيلن: //5/5/5 – مفاعلتن: //5///5 – متفاعلن: ///5/5.
وطبعاً عندما وضع الفراهيدي البحور الشعرية وحاول أن يطبقها على النصوص الشعرية لاحظ وجود بعض المشاكل من ناحية التفعيلاتْ فبعضها على الرغم من كون موسيقاها في الأذن واحدة إلا أنها تختلف إذا قيست بالمتحرك والساكن، فأوجد بالتالي ما يسمى بالزحف والعلل، والتي قد تطرأ على البحر الشعري فتتغير بعض تفعيلاتهُ، وفي بعض الحالات تتحول التفعيلة إلى تفعيلة أخرى، ما جعل هنالك بعض المشاكل في تشابه كبير بين تفعيلات بعض البحور، مما جعل من الصعب على الشخص المبتدأ أن يميز بينها.
وحتى لا يطول بي المقام، اكتفي بآخر نقطة وهي معلومات بسيطة لبعض ما يعتري البيت من زحفٍ وعلل، فتارةً إذا دخلت على التفعيلة (مستفعلن) تجعلها تكون كما (متفاعلن) من ناحية التحريك والتسكين، ولو تمعنت في بعض القصائد لوجدت أن موسيقاها على اللسان واحدة، لكن عند تمعنك تلاحظ فرق في حالة الحروف، وبعض الأحيان يحذف أحد حروف التفعيلة فتتحول مثلاً (فاعلن) إلى (فعلن) و (مفاعيلن) إلى (مفاعلُ).
وكمثال على بعض العلل أو الزحف سأكتب لكم بيت شعري لو قرأتموه تلاحظون أن موسيقاه واحدة على الرغم من اختلاف حالات الأحرف في شطريه.
نظرتُ مبتسماً إلى النجومِ وما .. عاقَ الكسوفُ عيوني وهي تنفتحُ
مفاعلن فعلن مفاعلن فعلن .. مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن
فلو أعطيناها لحناً وأنشدناها سنجد أنهُ لا اختلاف في الشطرين من ناحية النطق والانشاد.
وطبعاً قبل أن اختتم أحببت أن اخبركم عن مسألة الكتابة العروضية، وهي بالتحديد ما تجعلك تستطيع تقسيم البيت وتشطيره حسب التفعيلات ومن ثم التعرف على بحره بعد ذلك، والكتابة العروضية هي أن تكتب كلمات البيت الشعري كما تلفظ، وكمثال سأحول البيت السابق إلى كتابة عروضية:
نظرتُمبْ تسماً إلننجو مِوما .. عاقلْكسو فُعيو نيوَهْيَتَنْ فَتِحو
//5//5 ///5 //5//5 ///5 .. /5/5//5 ///5 /5/5//5 ///5
طبعاً هذا البيت البسيط وتفعيلاته كالتالي:
مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن .. مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن
لكن أغلب الكتابات على هذا البيت يحذف فيها الألف من فاعلن فتكون التفعيلة فعلن.
هذا ولنا لقاء آخر معكم إن شاء الله
أخوكم