[الصوم]
الشيخ عبد الرضا كاشف الغطاء
[يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات]
لقد دلّت هذه الآية الكريمة على وجوبه وإدائه على من كان بالغاً سن الرشد وصحيحاً معافاً إلاّ أن يكون ذات علة أو شيخوخة أو سفر فالمنكر لوجوبه كافراً مرتداً يجري عليه حكم من أنكر ضرورة من ضرورات الدين نظراً إلى الإجماع المنعقد عليه، ويفهم من الآية الإلزام والوجوب في إدائه كما أمر سبحانه وتعالى باقي الأمم على إختلافها بصيام هذا الشهر المبارك بقوله جل شأنه(كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) إلى آخره. ويكفينا أن نذكر نبذة يسيرة من بعض الكتب الجليلة عند الملل الآخر، لقد قرأنا في(العهدين) العهد القديم المعروف بـ(التورات) والعهد الجديد المعروف بـ(الإنجيل).
جاء – في العهد القديم – في سفر الخروج في الآية الـ28 من الأصحاح الـ34 فيما إستعرضته من قصة خروج موسى لمناجاة ربه – ذكر الصوم، وهذا نص الآية هناك(وكان هناك عند الرب لم يأكل خبزاً ولم يشرب ماء).
وفي الآية السادسة عشر من الصحاح الثاني(وسأل داود من أجل الصبي وصام داود صوماً ودخل وبات مضجعاً على الأرض).
وجاء في العهد الجديد- في الآية السادسة عشر، والسابعة عشر وغيرها من الآيات الكثيرة من إنجيل متى في الأصحاح السادس منه وهذا نص بعضها.
السادسة عشر(ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين فأنهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين. الحق لكم إنهم قد إستوفوا أجرهم).
السابعة عشر(وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك وإغسل وجهك).
فهذه الآيات التي ذكرناها كلها قد ذكرت الصوم بلفظه الصريح وتنص بأنه مشروع عندهم على إجماله.
الصوم، في هذا الشهر المبارك يرفع الإنسانية مكاناً علياً إذ تتغذى بالتفكير والعبادة وتنعيم الطمأنينة والرضا بما أمر الله به.
الصوم إطلاق للروح من أسر الشهوة وتمكين الحرية والإرادة على تقوية العزيمة ورياضة النفس على مقاومة هوى الشيطان يتمرن الإنسان في هذه الأيام المباركة على حب السعادة النفسية التي لا تشوبها حسرة ولا ندامة.
الصوم يطهر النفوس من الظغائن والأحقاد وينير القلوب بنور الحب والرحمة والإحسان، ويبعث الناس على التآلف والتعاون، ويعلمهم الصبر على الشدائد وإحتمال الآلام، وما أحوج العالم إلى هذه الصفات! ما أحوجه إلى أن يصوم عن النزاع والفتن والإطماع.
الصوم جنة يتقى بها أسوء الأضرار الدنيوية والأخروية وعلى هذا اللحن يوقع الحديث النبوي(الصوم جنة) وفي الحديث الشريف، الصوم نصف الصبر، والصوم نصف الإيمان، وحسب الصائم أن ينال درجة الصابرين، وإنما يوفي الصابرون أجورهم بغير حساب.
وقال الإمام الصادق(عليه السلام) إنما فرض الصيام ليستوي به الغني والفقير، وذلك لأن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير فأراد الله سبحانه أن يذيق الغني من الجوع ليرق على الضعيف ويرحم الجائع.
ثم بيّن سبحانه وتعالى وقت الصوم فقال: شهر رمضان ثم عيّن الوقت الذي يصوم فيه المسلم من هذا الشهر وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولبركة هذا الشهر أنزل فيه القرآن الذي عليه مداد الدين والإيمان، وفيه نزلت صحف إبراهيم، وتوراة موسى وإنجيل عيسى، وزبر داود(عليهم السلام).
إن شهر رمضان شهر تصفو فيه النفوس وتبعد عن أحقادها وتسموا إلى حيث الفضائل والمزايا الطيبة فترى الناس بين مصل وآخر مكبر ومهلل فهم في حياة روحية جميلة كلهم يرمون إلى هدف واحد وكلهم يتطلبون غاية واحدة تلك هي التقرب من الله تعالى في فعل الخير والأنعام على الفقراء وكل ما من شأنه الوصول إلى مرضاة الله وعفوه ورحمته وفق الله المسلمين لإدائه