دوافع التوبة ومقوّماتها
التوبة وقفة تأمل وجدانية هادفة، تبدأ بهزة ضميرية عنيفة، تنطلق من التفكير بأضرار الذنوب في الدنيا وعواقبها المخزية في الآخرة.. وتنتهي بقرارات داخلية صارمة يتخذها المذنب ضد نفسه الأمّارة بالسوء، ثم يترجمها بعد ذلك إلى سلوك طاهر صالح، وحياة عامرة بالإيمان والاستقامة، ولا يمكن أن تولد هذه الوقفة الحاسمة في حياة المذنبين البعيدين عن الله تعالى إلا بعد أن تتوفر في نفوسهم مقومات رئيسية ثلاثة، وهي:
1 ـ العلم بضرر الذنوب:ف
عندما يتعرف الانسان المذنب على مساوئ سيئاته ومضارها على حياته في الدنيا والآخرة، كما تحدثت عنها الآيات والروايات.. ويعلم أيضاً بنتائجها المدمرة عليه وعلى أعضاء أسرته من جهة تربوية، وأنها تسبب النيل من سمعته وسخط المؤمنين عليه، ونبذهم إياه وعدم مراعاتهم لحرمته، حيث يجوز لهم غيبته، إذ لا غيبة للفاسقين، كما تسبب سخط الله سبحانه عليه وغضبه الذي يتجسد أحياناً بنزول النقم وقطع النعم وحبس الدعاء وحلول البلاء.. هذا بالاضافة إلى ما يلاقيه من خزي وهلاك في ظلمة القبر الموحشة، وفي مواقف يوم الحساب العصيبة نتيجة أعماله السيئة.
حينما يعلم المذنب بكل هذه الأضرار للذنوب سوف يتألم على ما اقترف من سيئات ونتيجة لهذا الألم النفساني تحدث عنده يقظة ضميرية وتحصل لديه حالة نفسية تسمى بـ(الندم).
2 ـ الندم على ارتكاب المعاصي:والندم يقظة ضميرية واعية، وهزة وجدانية عنيفة تحدث في داخل الانسان فتستقطب مشاعره وتفكيره، وهي تأتي بعد معرفة أضرار الذنوب ونتيجة لهذه المعرفة تشتعل نيران الندامة في القلب ويشتد لهيبها بأحد عاملين رئيسيين أو بكليهما معاً، وهما:
أ ـ الخوف من عقاب الله سبحانه في الدنيا والآخرة.
ب ـ حب التقرب إليه جلّ شأنه.
فإذا استولت مشاعر الندم على القلب انبعثت منها حالة أخرى جديدة تعرف (بالإرادة المصممة الصلبة).
3 ـ الإرادة القوية المصممة الصلبة:
وتنوجد هذه الإرادة بعد الوضوح الفكري والعقائدي لمخاطر الذنوب، وبعد حالة الندم المستعرة في الوجدان عند ذلك تنتفض الإرادة لتترجم ثورة الضمير والوجدان إلى عملية تغيير وانقلاب شامل في حياة الانسان.. فيبدأ المذنب بالتفكير في تغيير خلجاته النفسية وأفكاره الداخلية، وممارساته اليومية ليضعها في خط العودة إلى الله سبحانه، والالتزام بعقيدته ورسالته، وهو في كل ذلك معتمداً على إرادته القوية المصممة، متوكلاً على الله، وبهذه الارادة الصلبة يتخذ قرارات حاسمة شديدة وهادفة مع نفسه، يعتمدها كبرنامج عملي تربوي ترويضي لحياته الجديدة بعد التوبة. وأهم هذه القرارات ثلاث: (ترك الذنوب في الحاضر)، و(العزم على تركها في المستقبل)، و(الاشتغال بتلافي تبعات الذنوب الماضية).
وقد أشار الشيخ النراقي في جامع السعادات إلى مقومات التوبة الثلاث، وإلى القرارات التربوية التي يتخذها المذنب في كلام مختصر قال فيه: (العلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاث معان مترتبة في الحصول يطلق اسم (التوبة) على مجموعها).
فالتائب ـ إذاً ـ انسان علم بأضرار ظلمة الذنوب على نفسه وعرف أنها مبعدة له عن ساحة قدس الله تعالى، وأنها تعرضه لسخطه وانتقامه، وتقوده إلى نار جهنم، فندم على ما فرط في ماضيه وعزم على ترك المعاصي بارادة قوية وتصميم شديد على عدم العود إلى ما كان عليه من انحراف عن خط الدين وابتعاد عن رب العالمين، وبدأ حياة جديدة عامرة بالتقوى والعمل الصالح.