رد الشيخ محمود ال الشيخ العالي على المتطاولين على مقام الامام السيستاني دام ظله

قدسية المرجعية الدينية
تحتل المرجعية في نفوس عموم المسلمين، وعلى الخصوص المسلمين الشيعة من أتباع أهل البيت (ع) قدسية واحتراما خاصين ؛ وذلك يرجع لعدة أسباب وعوامل ، وأهمها لا على سبيل الحصر عاملان :
الأول : عامل ديني :
يتمثل في النصوص العديدة الواردة في بيان مكانة العلماء وفضلهم ، ودورهم في حياة المسلمين . وهي كثيرة جدا لا يمكن إحصاؤها . وأذكر عل سبيل المثال هذا الحديث الذي رواه العلامة المجلسي في بحار الأنوار من كتاب العلم ( 8 ) الحديث ( 44 ) " عن محمد بن حماد الحارثي عن أبيه ، عن أبي عبدالله (ع)، قال رسول الله (ص): يجيء بالرجل يوم القيامة وله من الحسنات كالسحاب الركام، أو كالجبال الرواسي فيقول: يا ربي أنى لي هذا ولم اعملها ؟ فيقول : هذا علمك الذي علمته الناس يعمل به من بعدك ) وفي حديث أخر عن الإمام الصادق (ع) قال " عالم أفضل من ألف عابد ومن ألف زاهد " ( حديث (51) من الباب الثامن من كتاب العلم ، بحار الأنوار ) .
الثاني : عامل تاريخي :
والذي يتمثل في الرصيد التاريخي الضخم، الذي تتمتع به المرجعية من نزاهة ونقاء وزهد في الدنيا وزخارفها ، وابتعاد عن كل مظاهرها ، واستقامة صادقة في خط الشريعة . ومن خلال ما مثلتها هذه المرجعية من حالة أبوية للمسلمين من اهتمام بمصالحهم ، وحرصها على دينهم ، وحفظا لوحدتهم ، وعملا مخلصا جادا في توعيتهم ، وتبصيرهم بواجباتهم الدينية والوطنية . وهذا ما يشهده القارئ والمطلع على تاريخ مراجعنا العظام؛ ولهذا تعتبر المرجعية عند الشيعة الأمامية امتداد لمسالة الإمامة الكبرى ، ونيابة عن الإمام (ع) ، مما أعطاها قدسية وعظمة أخرى .
وتعتبر الإساءة إلى مقام المرجعية إساءة للإمام (ع) ، ولقد اطلعنا مع الأسف على مقال نشر في بعض الجرائد المحلية ( الأيام – العدد 6122 الصادر بتاريخ الثلاثاء 11 ذو القعدة 1426 هـ المصادف 13/ 12/2005م ) حمل إساءة واضحة إلى المرجعية العليا للشيعة في النجف الأشرف .
وها أنا ابدي ملاحظاتي على ذلك اللقاء :
أولا : جاء في اللقاء القول : ( بأنه لا يطمئن إلى منهجيتها ، ومتبنياتها الفقهية مشوشة ومضطربة ) .
فلا ادري وربك هل أن المرجعية في النجف الأشرف تعتمد في استنباطها للأحكام الشرعية طريقة غير الطريقة المألوفة عند فقهاء الشيعة في عملية الاستنباط من الرجوع إلى الأدلة المقررة عندهم من الكتاب والسنة والعقل والإجماع المعتبرين ؟! وليت هذا الشخص أفادنا بأمثلة تثبت دعواه ، وجاء ولو بمثال واحد يدل على زعمه من تشويش متبنياتها الفقهية .
ثانيا : هل يعني الاختلاف في مدارك الأحكام مجوز لهذا الاتهام ، وإذا كان كذلك فلن تبقى لأحد حرمة مصونة ، ومكانة محفوظة ؛ وذلك للاختلاف بين الفقهاء في مدارك الأحكام .
ثالثا : لقد تعرض لمثالين فقهين أخذهما ذريعة لهجومه على ساحة الفقهاء . وها أنا اعلق على المثالين :-
المثال الأول :
1. فانه غير خافٍ على من اطلع على الفقه الأمامي يعلم أن الفقهاء مختلفون في ( أن وجوب النفقة هل يثبت على الزوج بمجرد العقد ؟ أو مع العقد وشرط التمكين ؟ – أي أن تمكن الزوجة نفسها للزوج - ) وإن المشهور بين علمائنا ( أن النفقة لا تجب للزوجة بمجرد العقد ، بل العقد مع تمكينها نفسها للزوج ) وإن مجرد ذهاب بعض العلماء إلى القول بثبوت النفقة بمجرد العقد لا يعني كون هذا هو الحق ، وغيره هو الباطل بعد أن كان المستند هو الدليل التام بنظر المفتي ؟
2. لا نعلم كيف حكم على الفتوى بكونها ظلم لا يوجد بعدها ظلم ، بعد أن كان الفقيه يرى النفقة لا تجب على الزوجة بمجرد العقد دون التمكين .
3. كيف يريد أن يحاكم الفتوى بقضية خارجية ، لا نعلم بخصوصيات الحالة المستفتى فيها الفقيه .
4. لا يوجد إشكال فقهي في المثال المذكور إذا كانت الزوجة ممكنة نفسها للزوج ووجبت نفقتها عليه ، ولها أن تطالب وليه في غيابه كما هو مفصل ذلك فقهيا ، وإن سماحة الإمام الخوئي قد أفتى في هذه المسألة بمثل ما قلنا .
المثال الثاني :
إن ما أفتى به بعض الفقهاء جواز تلقيح البويضة من المرأة خارج رحمها بمني زوجها، ثم وضعها في رحم امرأة أخرى نتيجة لموانع تمنع من تلقيحها بمني زوجها . وأما تلقيح المرأة بمني غير زوجها فلم نقف على قائل به من فقهاء النجف على ما زعمه ، واني لا أرى في طرح هذين المثالين إلا تضليلاً للرأي العام ووراءه أسباب غير خافية على من عرف حال هذا الرجل .
رابعا : فإن نتعجب فعجب قوله واتهامه للمجلس الإسلامي العلمائي بالتبعية والوصاية المطلقة لمرجعية النجف .
فهل في الرجوع إلى أهل الخبرة والشأن العلمي والفقهي تبعية ووصاية ؟ وهل يعد استشارة الأخصائي في مجاله تبعية ووصاية ؟
ومن يراجع يا ترى هذا الرجل في هندسة منزله ومرضه وشئونه الأخرى الاختصاصية ؟- والى من يرجع الشخص العامي في مسائله الدينية ؟ أسئلة نحتاج فيها إلى جواب منه .
لقد انقلبت الموازين والمعايير فأصبح ما يشرف الإنسان من رجوعه في شئونه الاختصاصية إلى أهل الخبرة أصبح معيرة واتهاما ومنقصة ، في أي زمن نحن يا رب ؟
وختاما أتمنى على أصحاب الفضيلة من المشايخ الكرام من أسرة ال عصفور أن يعلنوا تبرئتهم من هذا الكلام وأنهم لا يرتضونه ، وإنهم يغيرون على مكانة علمائهم وفقهائهم ، وساحة المرجعية من الانتهاك .
وختاما نسأل من الله تعالى لمراجعنا العظام وللمرجعية العليا في النجف الأشرف بطول العمر المديد في خدمة الإسلام والمسلمين ، والتسديد لها منه جلا وعلا في خطواتها الرشيدة .
محمود ال الشيخ العالي
13/12/2005م
عالي – البحرين