مشاهد من عمق التاريخ والإنسان
كمال السيـد
(تِلْكَ الدّارُ الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)
في البدء
لا تكتسب الصورة أبعادها الكاملة إلاّ إذا ارتسمت خلال المشهد الخلفي; ذلك أن ثورة الحسين(عليه السلام) مثلاً لم يك ليكتب لها هذا الخلود والمجد، لو لم تستسلم اُمة الإسلام آنذاك للخنوع والذل.. من أجل هذا يتوجب على من يروم الكتابة عن الأئمة من أهل البيت: أن يستكشف عصرهم، ليرسم خلفية المشهد العام الذي تجسّدت فيه تجربتهم الإنسانية، وفي رأيي أن اكتشاف الأبعاد الحقيقية للإمام الصادق(عليه السلام) لن تتم إلاّ بعد الإلمام بتفاصيل الظروف العاصفة التي عاشها سلام الله عليه. ومن أجل هذا اُقدم ما تيسر لي من المشاهد التي يمكن أن ترسم للجيل العمق الإنساني في شخصية ذلك الإمام العظيم.
لقد عاصر الإمام زمن التحولات الكبرى، وشهد زوال حكم دموي رهيب، وقيام حكم غاشم، نهض على جماجم الابرياء، وكان(عليه السلام) في طليعة الذين صنعوا التاريخ في تلك الحقبة الحسّاسة من حضارة الإسلام. وإذا ما عرفنا (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) أدركنا عمق الدور الهام الذي اضطلع به الإمام في إيقاف حالة التداعي الفكري الذي عصف بالاُمة يومذاك.
أدرك(عليه السلام) آلام الناس فانتهج طريقه اللاحب لا يحيد عنه... إن تماسك الاُمة ووحدتها تلزمه قاعدة فكرية صلبة، وكان الصراع الفكري في ذروته، فانطلق الصادق(عليه السلام) يفجّر ينابيع العلم تفجيراً، فسالت أودية بقدرها فكيف نجا الإمام(عليه السلام) من براثن حكم اُموي غاشم قام على أشلاء مذبحة عاشوراء؟! وكيف أمكنه أن يروّض حكماً دموياً مثل الحكم العباسي؟!
ذلك هو شرف شخصية الصادق العظيم.
كانت الأرض الإسلامية تهتز بشدّة، وآلاف المؤامرات والدسائس تحاك في الظلام، وحمامات الدم في كل مكان، وفي ذلك العصر المثقل بالقلق واللا استقرار كان الامام بروحه الهادئة يمثل نقطة السلام، لم يتأثر بألاعيب الساسة ومؤامرات ذوي الطموح.. أحرق رسائل الذين دعوه للزعامة السياسية والأمجاد الزائفة التي تقام على جماجم آلاف الضحايا وبنى مجده الأخلاقي الرفيع في عالم الحقائق ذلك العالم الثابت، بعيداً عن دنيا الوقائع والحوادث، إنّه يمثل نقطة المركز في الإعصار; حيث العالم يموج من حوله، أما هو فكان ينعم بالطمأنينة.. كان يمثل الأعماق في بحر متلاطم بالأمواج، فالرياح العاصفة تثير الأمواج، أما الأعماق فترضى بالجلال والهدوء والسلام.
هكذا عاش الإمام.. معلماً للإنسان، حياته حياة الأنبياء، وروحه العظيمة تنطوي على ذات الأسرار التي انطوت عليها روح محمد وعلي والحسين:.
الصورة:
ربع القامة (بين الطول والقصر).
أزهر الوجه
حالك الشعر (الشديد السواد) جعد
أشمّ الأنف (ارتفاع قصبة الأنف وحسنها وانتصاب الأرنبة)
على خدّه خال
مكتوب في خاتمه: «الله خالق كل شيء».
بحار الأنوار 47 : 9 ـ 10
-------------------------------------------------------------
المشهد الأوّل:
المكان: «قصر الحيرة على بعد 80 كم من آثار تدمر عاصمة زنوبيا»
الزمان: 111 هـ
كان هشام بن عبدالملك متربعاً فوق سريره المرصّع بالجواهر، وفي حضرته عُلية القوم وقادة الجيوش، وفي يد كل منهم قوس، وهم يُريشون سهامهم نحو هدف في آخر البلاط.
وأذن الخليفة الأحول للإمام الباقر وابنه جعفر بالدخول بعد أن أوقفهما ثلاثة أيام إمعاناً في القهر...
ولم يأت الإمام بإرادته، وإنما هي رغبة في قلب مريض ونفس مثقلة بالعُقد.. رغبة مريض يشعر بالمهانة; فأراد أن يعوّض ذلك باستدعاء من يخشى الحكام وجوده.
ناول هشام الإمام الباقر قوساً وراح ينظر اليه بعينه الحولاء متشفياً:
ـ يا محمد إرم مع أشياخ قومك هذا الغرض.
أجاب أبو جعفر وقد أدرك ما يرمي إليه الأحول:
ـ إني قد كبرت عن الرمي فاعفني.
برق التشفّي في عين هشام لقد حانت لحظة الانتقام من شيخ آل أبي طالب، سوف يتندّر به عندما تطيش سهامه هنا وهناك وسط قهقهة الآخرين; لهذا هتف منتشياً:
ـ كلاّ.. لابد أن تشارك قومك في الرمي!
أمسك أبو جعفر بالقوس ووضع سهماً في كبده ورمق الهدف بنظرة ثاقبة وحانت لحظة الانطلاق..
هتف أحدهم مأخوذاً وهو يتأمل السهم ثابتاً في قلب الهدف .
ـ يا لها من رمية!
أخذ الباقر سهماً آخر وسدّده باتجاه الهدف فأصاب نصل السهم الأول، وانطلقت السهام العلوية يتبع بعضها بعضاً; حتى تكاملت تسعة أسهم بعدد آيات موسى بن عمران.
نسي هشام للحظات حقده، نسي كل أهدافه ومراميه، أو رآها تتهاوى أمام سهام علوية فهتف مبهوراً:
ـ أجدت يا أبا جعفر.. أنت أرمى العرب والعجم.
وأردف وهو يقوده الى سرير الملك:
ـ يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش مادام فيهم مثلك، لله درّك!من علّمك هذا الرمي؟ وفي كم تعلمته؟
أجاب جعفر بأدب الأنبياء:
ـ تعلمته أيام حداثتي ثم تركته.
تساءل هشام وقد انتبه الى وجود جعفر:
ـ ما أظن أن في الأرض أحداً يرمي مثل هذا الرمي! أيرمي جعفر مثل رميك؟!
أجاب الباقر وهو يسدّد سهماً من نوع آخر:
ـ نحن أهل بيت نتوارث الكمال والتمام، أنزلهما الله على نبيه في
قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً).
وشعر هشام بلسع الكلمات فقال بغيظ وحقد:
ـ من أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمّد نبيولا أنتم أنبياء؟!
قال الذي بقر العلم:
ـ ورثناه عن جدّنا علي وقد قال: «علّمني رسول الله ألف باب من العلم ينفتح عن كل باب ألف باب».
انسحب هشام الى نفسه، وقد رفع راية الهزيمة، واجتاحته آلاف الشكوك والهواجس، إنه ليس أمام رجل أعزل كما كان يتصور، إنه أمام حسين آخر، أمام رجل يحمل ملامح علي.. علي الذي ما يزال سنا سيفه يخطف بالأبصار.
-----------------------------------------------------
المشهد الثاني:
عام 123 هـ نقطة ما في الصحراء على طريق القوافل..
كان يحيى بن زيد يشعر بالاختناق رغم انفتاح الصحراء.. الحصان يسير الهوينى، ينقل خطاه على هون.. لم تفلح نسائم الهواء الندّية أن تبدّد الحزن الذي كان يغمر قلبه; فكأن بني مروان يسمّمون حتى الهواء.
نظر الى ورائه الى حيث المدينة المشهورة بالغدر; فألفاها قد غابت، لقد ابتلعتها الصحراء، أدار بصره في الجهات لم يكن هناك سوى تموجات الرمال تمتد لتلامس زرقة السماء في الاُفق البعيد، ولاحت للفتى تحت أشعة الغروب الواهنة طرق القوافل، فهذا طريق يؤدي الى الحجاز، عريض شهدته قوافل الحجيج، وذاك يؤدي الى خراسان، الى حيث البلاد التي تشرق منها الشمس.
وقف في مفترق الطرق يتأمل المكان وقد غمرته حالة الصمت العميق، كان يفكّر أي الطريقين يسلك؟
قرص الشمس يستقر فوق الرمال في الاُفق الذي تشرّب بحمرة لون الدم.. الدم الذي سال بالأمس في شوارع الكوفة... ما تزال ملحمة زيد الشهيد تتألق في الذاكرة تلهب وجدانه.
فجأة ظهرت سفينة الصحراء وسط قرص الشمس الذي استحال الى نبع قرمزي .
شعر يحيى بنسمة من الانشراح، وتنفس الصعداء، لعل القادم يحمل أخبار الديار والوطن! وظل الفتى في مكانه وقد بدا الحصان يرهف اذنه الى خطى قادمة من بعيد.
صهل الحصان كأنه يريد أن يعلن عشقه للحريّة، وظل الجمل معتمّاً بالصمت كعادته، ربّما قال في تمتماته: إن الصحراء تحتاج الى الصبر.
اقترب راكب الجمل من راكب الحصان، وعرف كلّ صاحبه، وتناثرت كلمات السلام كرياحين ربيعية، وقال الفتى لصاحبه وهو يحاوره:
ـ من أين أقبلت؟
ـ من الحجّ
ـ وأخبار الأحبّة والديار؟
ـ المدينة ـ حزينة. حزينة من أجل زيد.. لقد بكاه الجميع، وكان ألوعهم ابن عمك جعفر.
لاذ يحيى بالصمت... اشتعلت في ذاكرته مشاهد قديمة يوم دخل مع والده على عمه محمد الذي بقر العلم بقراً فتمتم بأسى:
ـ كان عمي محمد أشار على أ بي بترك الخروج.. قال له: لا تترك المدينة... كان يخشى عليه عاديات الزمن..
وسكت يحيى لحظات، ثم قال وهو يحدّق في لوحة الغروب الحزين:
ـ فهل سمعت ابن عمي جعفر يذكرني؟
أجاب القادم من الحجاز وكان رجلاً من ثقيف:
ـ أجل سمعته يذكرك.
ـ بم ذكرني؟
ـ لا احب أن أستقبلك بما سمعته.
ـ أنا لا أخشى الموت.. هات ما قاله جعفر !
ـ سمعته يقول: إنّك تقتل وتصلب، كما قتل أبوك وصلب.
اعترته قشعريرة; وقد تذكر أباه على الصليب.
قال بصوت متهدج:
ـ (يمحو الله ما يشاءويثبت وعنده اُمّ الكتاب).
ومرّت لحظات صمت ; وكان يحيى يحدّق في الافق المصبوغ بلون الدم قال بصوت يشوبه حزن عميق:
ـ يا متوكل، إنّ الله أيّد هذا الأمر بنا، وجعل لنا العلم والسيف، وخصّ بني عمنا بالعلم وحده.
تساءل راكب الجمل:
ـ جعلت فداك! انّي رأيت الناس الى ابن عمك جعفر أميل منه اليكم!
قال ابن زيد الشهيد:
ـ إنه دعا الناس الى الحياة، أما نحن فدعوناهم الى الموت.
ـ يابن رسول الله، هم أعلم أم أنتم؟
أطرق الفتى الثائر; فكأنه يبحث في الأرض عن شيء، وقال بعد صمت عميق:
ـ كلّنا له علم، غير أنهم يعلمون كلّ ما نعلم، ولا نعلم كلّ ما يعلمون.
غابت الشمس، وتناثر ظلام خفيف في فضاء الكون.
قفز الفارس من فوق حصانه، وبركت سفينة الصحراء، وانسابت الصلاة كنهر هادئ يتدفق على هون، وتناثرت كلمات الدعاء، وقد تألقت نجيمات في صفحة السماء.
تطلّع الرجل الثقفي الى فتى يحمل ميراث أبيه.. ميراث الثورة والشهادة، وتساءل في نفسه: ترى في أية بقعة سيصلب هذا الفتى العلوي؟
رفع يحيى رأسه وكان مستغرقاً في سجود ثم قال:
ـ أعلم أن قوله حق.. أخذه من آبائه...
ونهض الى حيث يقف حصانه الأصيل، فاستخرج صحيفة مصدّقة شمّها ووضعها على عينيه وانسابت منهما دمعتان، شعر أنه يقبّل وجه أبيه الشهيد، قال بصوت فيه عبرة:
ـ والله يا متوكل! لولا ما ذكرت من قول ابن عمي: أنني اُقتل واُصلب ما دفعتها اليك، وهي أمانة لديك حتى توصلها الى ابنيْ عمي.
ـ محمد وابراهيم!
ـ أجل فهما القائمان بالأمر بعدي.
حانت لحظة الوداع.. وأدرك القادم من موسم الحج أن يحيى سييمّم وجهه شطر خراسان.. الى حيث تطلع الشمس .
نهض راكب الجمل يودّع الفارس الذي سلك الطريق.. ذات الطريق الذي سلكه والده من قبل، وظلّ يشيّعه بنظرات حزينة الى أن غاب في الظلام.
--------------------------------------------------------------
المشهد الثالث:
المدينة المنورة عام 132 هـ
عالم الوقائع عالم متزلزل، يموج بالبشر، ويموج بالحوادث، عالم يزخر بالبروق والرعود والأمطار، عالم تعصف به الريح من كل مكان، أما الحقائق فعالم غارق بالهدوء.. ثابت ثبات الجبال، هادئ كالبحيرة. عالم رائق كالنور، مفعم بالسكينة والطمأنينة والسلام، فإذا عاش الانسان في عالم الوقائع عاش قلقاً، نهباً للهواجس والمخاوف والاضطراب، يتحول ليله الى أرق طويل، وتتغير حلاوة العيش الى مرارة لا تطاق..
أما الإنسان الذي يعيش في عالم الحقائق، فهو ابن تلك البيئة المدهشة بثباتها، وصفائها، وإشراقها، هكذا عاش الإمام الصادق.. كانت الأرضية الإسلامية تهتزّ بعنف.. آلاف الدسائس والمؤامرات تحاك في الظلام، وقد بات كل شيء في العالم الإسلامي قلقاً، العقائد تتزلزل في النفوس، ولم يعد هناك من ثبات.. مع سنابك خيل قادمة من الشرق ورجال يرفعون رايات سود.
وجلس وارث النبوات في محرابه، كان ضوء الأصيل قد تسرّب من كوّة صغيرة فبدت كشلال من نور، يغمر أرضية الحجرة الطينية المفروشة بحصير منسوج من خوص النخيل.
الصمت يغمر المكان، ما خلا تمتمات دعاء ينساب بحزن.. وشيئاً فشيئاً انسحب الضوء، وانطفأت الكوّة المضيئة وخيم الظلام لكأنه كامن في أجزاء الحيطان والسقف، وحتى الكوّة نفسها استحالت الى نبع من الليل القادم.
كانت رياح كانون القارسة تجوس المدينة... دخل «معتب» بهدوء يمشي على أطراف أصابعه، لم يكن يريد أن يعكّر الصفو المهيمن في المكان، كان همّه أن يوقد السراج ويعود لشأنه، تاركاً سيّده في استغراقه الصلاة.
وعندما انبعث الضياء من السراج; ارتفعت دقّات حذرة وخفّ معتب ليعرف من يكون القادم في هذا البرد والليل.. وما أسرع ما يعود ليقول:
ـ إنه سدير يا سيدي.. سدير الصيرفي ومعه رجل ملثّم ،
أجاب سليل النبي:
ـ ليدخلا
جلس سدير في حضرة الإمام، وقال معرّفاً الرجل الملثّم:
ـ إنه رجل من شيعتك يحمل اليك رسالة من أبي سلمة الخلاّل.
أخرج الرجل رسالة مطوية بعناية وسلّمها باحترام.
الكلمات القادمة من أحد قادة الثورة العباسية ورجالاتها تحمل معسول الوعود.. وقد جاء فيها: آن للحق أن يعود الى أصحابه الحقيقيين، وآن للخلافة أن ترجع الى أهلها، وآن لوارث علي أن يعود الى عاصمة أبيه.
رفع الإمام عينيه وخاطب معتباً:
ـ ادن مني السراج.
تساءل سدير في نفسه: ألم يكن الضوء كافياً؟
لم تطل حيرة الصيرفي بعد أن رأى الصادق يدني الرسالة من لهيب السراج، فالتهمت النار الكلمات والوعود واحترقت، ثم استحالت الى رماد ودخان، وارتسمت على وجه الصيرفي أمارات الدهشة، فيما هتف الملثّم:
ـ والجواب؟
أشار الصادق الى الرماد، وقال:
ـ هذا جواب كتابه.
السراج ما يزال يبعث الضوء، وقدراً من الدفء، ونهض الرجل الملثّم، وغادر المكان بصمت.
لم يطق سدير المشهد، فقال بلهجة يشوبها عتب:
ـ يا أبا عبدالله، ما يسعك القعود؟
ـ ولم يا سدير؟
ـ لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك.
ـ يا سدير وكم تقدّر أن يكونوا؟
ـ مئة ألف.
ـ مئة ألف؟!
نعم، ولو شئت قلت: مئتي ألف.
قال الذي يعيش في عالم الحقيقة:
ـ لوكان عندي عدد أصحاب النبي في بدر; لنهضت.
كان نور السراج ينعكس على وجه سدير، وقد ارتسمت علامات استفهام في عينيه، وماجت في أعماقه آلاف التساؤلات :
وتلك الآلاف المؤلفة في خراسان، وهذه الرسائل التي تأتيه من الكوفة وغيرها؟
وتذكر سدير لقاء الإمام مع مبعوث أبي مسلم الخراساني الذي نقل اليه رسالة جاء فيها: «إني قد أظهرت الكلمة، ودعوت الناس الى موالاة أهل البيت، فإن رغبت; فلا مزيد عليك».
ولم يزد الإمام أن قال لمبعوث الخراساني:
ـ قل له: ما أنت من رجالي، ولا الزمان زماني.
تساءل سدير في نفسه: كيف يطيق أبوعبدالله هذا الصمت، وقد انفجر الزلزال في الأرض التي تخرج منها الشمس؟ كيف يطيق هذا السكوت، وصرخات آلاف الخراسانيين تملأ الخافقين تدعو الى «الرضا من آل محمد»؟
نظر الصادق الى صاحبه الحائر، أراد أن يعلمه أن هذا الزمن هو زمن التغيير الحقيقي، زمن الصمت المدوّي; قال في صوت فيه أصداء النبوّات:
ـ كونوا لنا دعاة صامتين.
تساءل الصيرفي:
ـ وكيف ندعو ونحن سكوت؟!
أجاب الصادق:
ـ تعملون بما أمرناكم به من طاعة الله، وتعاملون الناس بالصدق والعدل، وتؤدون الأمانة، وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، ولا يطلع الناس منكم إلاّ على خير، فإذا رأوا ما أنتم عليه علموا فضل ما عندنا فعادوا اليه.
ونهض سدير، وقد أضاءت له الكلمات الصادقة السبل، أدرك أن تغيير العالم يبدأ من هنا; من أعماق النفس، ذلك: «إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم».
----------------------------------------------------
المشهد الرابع:
المدينة المنورة وقد ضرب الجفاف أطنابه في الحجاز للعام الثاني على التوالي»
انصرم الشتاء وأخذ معه بركات الربيع، وماتزال الغيوم تعبر السماء كسفن تائهة، وتهامس الناس في المساجد والأسواق، وهم يتأملون السحب تتجمع ثم تتبدد، تمزقها رياح غاضبة قبل أن تجود بالمطر فتروي الأرض الحرّى، وترى الناس حيارى; ينظر بعضهم في عيون البعض:
ـ إنه القحط
ـ أجل القحط
وفي مواسم القحط تتغير الحياة.. وتنبعث في أعماق النفوس الآدمية صفات لا عهد للمرء بها; يخرج الخوف رأسه فيطلّ من عينين حزينتين، تستيقظ كوامن القلق من المستقبل، يسرع الأثرياء خطاهم الى الأسواق ليشتروا ما يحتاجون وما لا يحتاجون، ترتفع الأسعار، ويتأوّه الفقراء يضربون كفّاً بكف، وتتزلزل الثوابت، وتغادر البسمات الشفاه; ليضرب الوجوم أطنابه وربما غامر بعضهم بالصيد في الفيافي البعيدة بحثاً عن شيء يشبع صغاره الجياع.
وترى بعضهم ينظر الى الطيور نظرات تطفح بالمرارة والأسى، يتمنون الظفر ببعضها لتنقذهم من عضّة الجوع، إن للمدن أعراسها وأحزانها، ويبقى القحط جرحاً غائراً في أعماقها تتذكره دائماً بشيء من المرارة والأسف. وأصعب ما في القحط أن يغيّر طبائع الناس. يوقظ في أعماقهم غرائز مدفونة في ظلمات ثلاث، واذا بالإنسان يتحول الى كائن جديد; حيث تخلع المدن الزراعية أثوابها ويتهامس أبناؤها في شؤون الصيد والتجارة.
وفي كل ذلك تستيقظ الأنا مدمّرة; كوحش كاسر لا يعرف غير نفسه.
وفي هذه المدينة كان هناك قلب ينبض بالطمأنينة في زمن الرعب، وينبض بالسلام والرحمة، قلب يكاد يستوعب الوجود بأسره. وفي ذلك المساء الحزين، وقد آبت الكائنات الى أوكارها، وغمر الظلام الأزقة، سأل الإمام غلامه:
ـ ألدينا قمح؟
وشعر الغلام بالغبطة; لأن لديه الوفير فقال:
ـ لدينا ما يكفي حاجتنا ستة شهور.
وتألم الإمام... الناس يعصرها الجوع وحبوب القمح مكدّسة في أكياس القلق والخوف من المستقبل، قال بحزم:
ـ إعرضه غداً في السوق ليشتريه الناس.
ـ ونحن يا سيدي!
ـ اشتر لنا شعيراً واخلط به طعامنا، فإني أكره أن نأكل جيداً ويأكل الناس رديئاً.
والتفت الإمام الى غلامه قائلاً بعد لحظات صمت:
ـ الاحتكار في الخصب أربعون يوماً، وفي الشدّة والبداء ثلاثة أيام، فما زاد على الأربعين يوماً في الرخاء فصاحبه ملعون، ومازاد على ثلاثة أيام في العسر فصاحبه ملعون.
---------------------------------------------
المشهد الخامس:
قال الصادق لغلامه مصادف:
ان عيالي قد كثروا، فخذ ألف دينار واتّجر الى مصر مع إخوانك.
وانطلق مصادف في رحلة تجارية الى مصر استغرقت أسابيع.
وتعود القافلة الى الحجاز تحمل الربح الوفير، كان مصادف يشعر بالفرح، فقد ربحت تجارته ونجح في مهمته، دخل مصادف منزل سيّده ووجهه يطفح بشراً، كان يحمل كيسين ملئا ذهباً، قال وهو يناولهما الى سيّده:
ـ هذا رأس المال وهذا ربحه.. لقد ربحت تجارتنا يا سيّدي.
ردّ الإمام مستفهماً:
ـ وكم هما؟
ـ ألفا دينار.
ـ إنّ هذا الربح لكثير!! ماذا صنعت حتى ربحت هذا الربح؟
وشرع مصادف يحدّث سيّده عن تفاصيل رحلته الى مصر:
ـ اشترينا متاعنا من سوق المدينة، وكان فيه ما حمله تجّار اليمن ومكّة، وانطلقنا الى مصر; حتى اذا وصلنا قريباً منها، اذا بقافلة من تجارها تستقبلنا في الطريق، وكان المكان محطّاً للقوافل، فأناخت النوق تلتقط أنفاسها من رحلة مضنية. غابت الشمس وتوارت خلف التلال، وحلّ الظلام واشتعلت مواقد النار هنا وهناك في تلك الأرض، تساءل تجار مصر عمّا تحمل قوافلنا من المتاع، حتى اذا عرفوا ما فيه; برقت عيونهم دهشة وقال أحدهم:
ـ إنه متاع العامة وليس في مصر منه شيء.
وقال آخر:
ـ ما أسعد حظوظكم؟!
وفي الصباح راح بعضنا ينظر في عيون البعض، وقال قائل:
ـ لا تبيعوا بضاعتكم حتى يربح الدينار ديناراً.
وبرقت عيون الجميع امراراً وطمعاً.
شعر الإمام الصادق بقلبه يعصره الألم، واعتصم بصمت حزين، فيما ظلّ مصادف يروي حكايته:
ـ وهكذا دخلنا مصر فاهتزّ سوقها من أقصاه الى أقصاه وأحاطنا التجار من كل صوب، فلم نكن نساوم على قيمة المتاع، فكانوا ينصرفون ثم يعودون فلا يجدون سوى الإصرار، وكانت مقاومتهم تتضاءل حتى سلّموا لنا، وهكذا ربح الدينار ديناراً، فهذه ألف دينار رأس المال، وهذا ألف دينار اُخرى هي الربح.
طافت غيمة حزينة فوق جبين وارث النبي، قال بأسى:
ـ سبحان الله! تتحالفون على قوم مسلمين ألاّ تبيعوهم إلاّ أن يربح الدينار ديناراً؟! أخذ الإمام كيساً واحداً وقال بحزم:
ـ هذا مالنا، «ولا حاجة لي بالربح».
أطرق مصادف حائراً وسمع سيّده يقول:
ـ يا مصادف، مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال.
واشتعلت في أعماق مصادف تفاصيل الرحلة، ومارأى هناك ممّا يموج في اعماق البشر، تذكر وميض العيون وهي تبرق طمعاً في الربح الوفير، وتذكر همسات التجار لكأنهم يتآمرون في قلب الظلام، وتذكر توسلات الناس في سوق مصر وقد آلمهم ارتفاع السعر.. تذكر كل تفاصيل رحلته، ورأى أنه لم يربح سوى لوم سيّده، فألقى نظرة ازدراء على كيس فيه ألف دينار ذهبي يخطف الأبصار، ودوّن في أعماقه كلمات قالها سيّده ذات يوم:
ـ كم من طالب للدنيا لم يدركها، ومدرك لها قد فارقها.. ما الدنيا؟ هل الدنيا إلاّ أكل أكلته أو ثوب لبسته؟
ونهض مصادف ينفض عن ثوبه غبار الرحلة، ويغسل عن نفسه أدران تجارته، وأدرك أنه لم يخسر شيئاً ذا قيمة، بعد أن ربح نفسه التي بين جنبيه. أما الألف دينار فقد تناثرت فوق بيوت الفقراء والبائسين ممن أضرّ بهم القحط والجفاف.
--------------------------------------------
المشهد السادس:
المدينة المنورة عام 137 هـ
وأصبحت المدينة خائفة تترقب. سيأتي اليها ملك جبّار يبحث عن رجل حسني، يحمل اسم النبي وقلب الوحي، اختفى منذ سنين. الملك الجبار يخشى الذي غاب عن الأنظار، وسرت الهمسات في ليالي البرد الطويل، تتحدث عن محمّد بن عبدالله من ذريّة الحسن السبط، الذي غاب ليظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، كانت المدينة خائفة تترقب; فالجبار قادم اليها وشيكاً، ولم يكن حجّه هذا العام إلاّ «مكاءً وتصدية».
الذين يعرفون ابن البربرية في الأيام الخوالي سيدهشون اذا رأوه في حلّة الملك العباسي السوداء لكأنه فرعون هذه الاُمة. وقيل للفقراء:
إنهم يرون النمرود جاء يبحث عن أخ لإبراهيم(1).
وجاء الملك العباسي وحل في المدينة ليغمر الخوف منازلها..
وتساءل البعض: من أين حصل ابن البربرية على كل هذا الجبروت في الأرض؟!
منذ الأزمنة السحيقة والجبابرة يولدون في النفوس الخائرة.. النفوس التي تسكنها جرذان مذعورة.
لكأنهم على ميعاد مع الشعوب في لحظات الرعب; عندما يستكين الإنسان الى حب الحياة حتى مع الذل، عندما يتنازل المرء عن كرامته من أجل أن يبقى حيّاً.
ووجد ابن البربرية نفسه أمام الحشود الخائفة الذليلة، لقد عرف كيف يؤسّس لسلطانه في النفوس الخائفة.. وغمغم في نفسه وهو يرى العيون الخائفة:
ـ جوّع كلبك يتبعك.
وأردف بسخرية:
ـ وربّما يعبدك
وتمرّ أيام، وما تزال الحشود تزور الخليفة العباسي الثاني، تبارك له انتصاراته السابقة واللاحقة، تساءل بغيظ:
ـ مالي لا أرى الصادق؟!
نظر الى وزيره، فقال الوزير بخضوع:
ـ أنا آتيك به.
بلع الجبّار ريقه بمرارة، فأمرّ شيء على الجبابرة أن يجدوا بين الناس من لا يأبه بهم ولا يرهبه جبروتهم.
وجاء رجل من أقصى المدينة أو جيء به، فسلّم وجلس، كان ربعة وفي وجهه المضيء خال، ونبع من الطمأنينة يتدفّق في روحه وقد غمرته حالة من السلام.
وكان حرس الجبّار قد أخذتهم الرهبة من رجل لا يرهب الملك، رجل أعزل إلاّ من عصا يتوكأ عليها.
قال ابن البربرية في عتب مصطنع:
ـ لم لا تغشانا كمايغشانا الناس؟!
وانقلبت الغين خاءً في آذان المذعورين، فخيّل اليهم أنهم سمعوا النمرود يقول: لا لم تخشانا كما يخشانا الناس؟
قال الرجل الذي يحمل ميراث الأنبياء:
ـ ليس لنا من أمر الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوه منك... ولا أنت في نعمة فنهنيك، ولا في نقمة فنعزّيك.
ردّ مراوغاً:
ـ تصحبنا لتنصحنا.
قال الصادق وقد تفجّرت الحكمة من جوانبه:
ـ من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك .
وساد الوجوم، وبذل العباسي جهداً جبّاراً في دفن حقده القديم، وقد نهض حفيد إبراهيم الخليل عائداً من حيث أتى بعد أن حطّم الوثن البشري.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إبراهيم وأخوه محمد النفس الزكية.
----------------------------------
المشهد الأخير:
المدينة المنورة عام 148 هـ
كان شوال من ذلك العام حزيناً; فقد انطوى عيد الفطر، وانطوت معه فرحة الصائمين.
رياح شباط الباردة تجوس أزقة المدينة، والسحب الداكنة تسدّ الاُفق حيث تغيب الشمس، وفي منزل تظلّله سعفات النخيل كان الحزن قد رمى بكلاكله كغراب جاثم.
الشيخ الذي بلغ الثامنة والستين يلتهب من الحمّى، جبينه الزاهر يتفصّد عرقاً، رغم النسائم الباردة، لقد أزفت ساعة الرحيل فالدنيا برد وظلام.
القلوب المؤمنة تبكي من أجل السلام، والدموع كالشموع، والفراشات تبحث عن النور في زمن الزمهرير وصرير الريح.
فتح الشيخ عينيه وقد أطلّت الروح بعد غيبوبة، تريد أن تقول الكلمات الأخيرة قبل الوداع..
التفت سليل محمد الى ابنه موسى وخاطبه على وهن:
ـ يا بني، لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة.
وغابت الروح هنيئة ثم عادت من جديد:
ـ اعطوا ابن عمي «فلاناً» سبعين ديناراً.
ـ أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة يريد قتلك؟!
قال الشيخ بصوت فيه أصداء الرحيل:
ـ أتريدون ألاّ أكون من الذين قال الله فيهم: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب)؟
سكت لحظات والتفت الى الجارية قائلاً:
ـ نعم يا سالمة، إن الله خلق الجنة وطيّب ريحها، ولا يجد روحها عاقّ ولا قاطع رحم.
وأغمض الشيخ عينيه للمرّة الأخيرة، وتمتمات الدعاء تنساب من بين شفتيه كنبع هادى; وانبعثت في قلب الليل أنّات الفجيعة، وشهقات بكاء مرير كميازيب تبكي في موسم المطر.
كان موسى واقفاً في تلك الساعة العصيبة، وقد غمر قلبه نور سماوي، وتألقت عيناه بانعكاسات الضوء فوق غلاقة من دموع صامتة، فبدا في منظره وهجاً من نبوّات غابرة.
مشهد ما قبل الرحيل:
بغداد (146 ـ 147 هـ)
أمواج دجلة تتدافع تتجه صوب الخليج
وقد بدا النهر من شرفة القصر ثعباناً يتلوّى بكسل
الصمت يهيمن فوق المكان
ما خلا طنين ذبابة لا تفتأ تجثم فوق أنف «النمرود»
كان يطردها المرّة بعد الاخرى ولكن دون جدوى،
التفت النمرود الى رجل من ذريّة إبراهيم الخليل،
قال متأفّفاً: لم خلق الله الذباب؟
أجاب حفيد إبراهيم محطّم الأصنام:
ـ ليذل به انوف الجبابرة
وبهت الذي طغا
وعاد الصمت المدوّي يهيمن مرّة اُخرى.
ما خلا طنين ذبابة كانت تجثم فوق أنف «النمرود» المرّة تلو الاُخرى.