مأجورين
شاهدو معي كيف اصبحت المراقد المطهرة
10ـ الإمام علي بن محمد الهادي (عليهما السلام) ودوره القيادي:
(أ) استلام الخلافة.
(ب)استمرار الثورة الثقافية.
(جـ) تحصين الخط الإيماني.
(د) التأثير السلوكي والأخلاقي.
(هـ) تأييد الثورات في عصره.
(ا) استلام الخلافة:
كانت خلافة الإمام علي الهادي(عليه السلام) تمتاز بقوة المؤمنين وتوسعهم في داخل المجتمع وداخل الدولة مما أرعب نظام المتوكل العباسي وجعل الخليفة المتوكل يهتم بهذا الأمر وبالفعل امتاز بالشدة والملاحقة والتصفية الجسدية لأنصار الإمام الهادي وكان النظام يراقب مواقع تجمع المعارضة ليمنعهم من التواجد فيها ولما كان يعتبر قبر الإمام الحسين(عليه السلام) الشهيد نبراس الثائرين والمظلومين فكانوا يجتمعون حول القبر يزورون ويتزودون صبراً وقوة وإصراراً على الجهاد والثورة لذلك أمر المتوكل بنبش القبر وحرثه ويذكر السيد الحسني رواية تاريخ ابن الأثير وتاريخ الطبري: أنه فيتلك السنة هدم قبر الحسين بن علي وسواه بالتراب ثم أمر بحرث الأرض وزرعها لتضيع معالمه وقتل عدداً كبيراً من زواره وبالتالي فرض عليهم الضرائب وشتى أنواع العقوبات ليُمنعوا عن زيارته وكان يستهدف كسابقيه عزل الإمام عن الجماهير ومنعه من أداء دوره القيادي في الأمة وكان أسلوب النظام يمتاز بالعنف والحديد والنار فعلى مستوى القائد الإمام الهادي كان يؤخذ إلى سامراء ليتم الإشراف عليه ومراقبته بشكل مباشر وعلى مستوى الجماهير كانت السلطة تلاحقهم عند قبر الحسين لتمثل بهم كضريبة طبيعية للزيارة المباركة.
المهم استلم الإمام الخلافة الشرعية وبدأ بدوره القيادي لذلك حاربوه وخافوا منه.
(ب) استمرار الثورة الثقافية:
في الأوساط الإسلامية استمر الإمام بإتمام الثورة الثقافية والفكرية التي سار عليها الأئمة (عليهم السلام) من قبله فلذا تصدى الإمام الهادي(عليه السلام) في فترته الطويلة من الإمامة لحل المعضلات الفلسفية التي صارت تثيرها المدارس الفكرية كالمعتزلة والأشاعرة وكانت الخلافة القائمة تتبنى إحدى المدرستين وذلك لأهداف سياسية معروفة حيث يؤتى بالخصوم ويسأل مثلاً عن خلق القرآن ؟ هل هو قديم أم مخلوق؟. فإذا قال قديم فهنالك من يكفره ويأمر بقتله لأنه سيؤمن بتعدد القدماء ولا قديم إلا الله. . . وإن قال مخلوق فهنالك من بكفّره ويأمر بقتله لأنه يؤمن بأن القرآن مخلوق أي مختلق ليس وحي منزَل من قبل الله !.
وبهذا الأسلوب استطاع المتوكل وغيره من الحكام تصفية خصومهم وبالذات أبناء مدرسة الهادي لأنهم الخطر الحقيقي لسلطانهم.
(ج) تحصين الخط الايماني:
تحصين المؤمنين عملية شاقة في أجواء الترف والبذخ والرئاسة وحينما قلنا ان الخط الايماني متغلغل في أجهزة النظام حيث أجواء الإدارة وحب التسلط والدنيا فمن الصعوبة ألا تلفهم عجلة الدنيا فيبتعدوا عن حالتهم الإيمانية هذا من جانب ومن جانب آخر ان القائد الشرعي وهو الإمام نقل إلى سامراء لتتم مراقبته ـ كما قلنا ـ ومن قبل الخليفة مباشرة. . وبمعنى آخر عزل الإمام عن أجهزته القيادية وقواعده الشعبية ولكن وبالرغم من شدة الأمرين كان الإمام يدير الخطوط الإيمانية بحنكة وذكاء حتى أن الوشاة غالباً كانوا يرفعون تقاريرهم لدار الخلافة ضد الإمام وتحركه وارتباط الناس به وتسليم الإمام الحقوق والأموال الشرعية. . فكان الإمام يتدارك الأمر ويعالجه بالتحرك السري التام مع المؤمنين فمن ناحية كانت تتوسع القاعدة الاجتماعية ومن ناحية أخرى كان يحصنها بأساليب الاتصال السري وبذلك حافظ على المؤمنين كقواعد شعبية وركائز إيمانية منتشرة في البلاد وكذلك حصن الخط الايماني المخترق للسلطة القائمة بالإيمان والقدرة على الاستقامة.
وللتوضيح نذكر هذه القصة: حينما أُخبر المتوكل بتحرك قافلة من قم تحمل أموالاً للإمام الهادي أمر فتح بن خاقان وزيره وقائد جيشه لاتخاذ ما يلزم من تدابير أمنية تكشف له الأمر على واقعه ولكن باءت خطة المتوكل وأجهزته بالفشل وذلك لأن الإمام ـ أيضاً ـ علم بواسطة عناصره المؤمنة داخل النظام بالمكيدة والرصد ففوّت الفرصة على نظام المتوكل ولنترك التاريخ يتحدث لنا بنفسه: عن محمد بن داود القمي ومحمد الطلحي قالا: حملنا مالاً من خمس ونذر وهدايا وجواهر اجتمعت في قم وبلادها وخرجنا نريد بها سيدنا أبا الحسن الهادي(عليه السلام) فجاءنا رسوله في الطريق أن أرجعوا فليس هذا وقت الوصول فرجعنا إلى قم وأحرزنا ما كان عندنا فجاءنا أمره بعد أيام أن قد أنفذنا إليكم إبلاً عيراً فاحملوا عليها ما عندكم وخلوا سبيلها قال فحملناها وأودعناها الله فلما كان في قابل قدمنا عليه فقال: انظروا إلى ما حملتم إلينا فنظرنا فإذا المنايح كما هي. . وبذلك فشلت محاولة النظام في كشف تحرك المؤمنين وجلب الأموال الشرعية إلى الخليفة الشرعي.
(د) التأثير السلوكي والأخلاقي:
لم يترك الإمام تأثيره السلوكي والأخلاقي الرفيع على المؤمنين والمسلمين فحسب بل على الظالمين والفاسقين في بيت الخلافة أيضاً فهذه أم الخليفة المتوكل حين يمرض ابنها المتوكل تنذر إن عوفي تحمل إلى أبي الحسن علي الهادي حملاً جليلاً من مالها وحينما بُشرت بعافيته ـ ذات مرة ـ حملت إليه عشرة آلاف دينار تحت ختمها واستعمل الإمام هذه الهدية غطاءً سميكاً ليستر تحركه الهادف فوضع الهدية على ما هي عليه ولما أُخبر المتوكل بوجود المال والسلاح عند الإمام أمر حاجبه سعيد أن يهجم عليه ليلاً ويأتي بما عنده من الأموال والسلاح قال سعيد الحاجب: صرت إلى دار أبي الحسن بالليل ومعي سلم فصعدت منه إلى السطح ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة فلم أدر كيف أصل إلى الدار فناداني أبو الحسن من الدار (يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة) وبالنتيجة لم يجد شيئاً وحمل هدية أم المتوكل البدرة والكيس المختوم وسيفاً من جفن غير ملبوس وذهب للمتوكل فأرسل إلى أمه فأخبرته بأنها نذرت له لشفائك. . لاحظوا التأثير النفسي على الخليفة وبيت الخلافة ـ إنها انتفاضة روحية من الداخل ـ فأمر المتوكل أن يضم إلى البدرة بدرة أُخرى أعاد سعيد الهدايا إلى الإمام معتذراً(73).
وكذلك حينما أحضر الإمام الهادي(عليه السلام) في مجلس المتوكل ليلاً وهو على مائدة الخمر وفي يده كأس فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه. . .
فناوله المتوكل الكأس الذي في يده فقال الإمام: والله ما خامر لحمي ودمي فاعفني منه فعفاه ثم قال له: أنشدني شعراً أستحسنه فاعتذر الإمام وقال إني لقليل الرواية للشعر فألح عليه ولم يقبل له عذراً فأنشده:
بـاتوا عــلى قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجـــال فــما أغــنتهم القلل
واستنزلوا بعد عـــز عن معاقلهم فأودعوا حفراً يا بـــئس مــا نزلوا
ناداهم صارخ من بـــعد ما قبروا أين الأسرة والتـــيــجـان والحـــلل
أين الوجوه التـــي كـــانت منعمة من دونها تـضرب الأستار والكلل
فأفصح القبــر منهم حين سائلهم تلك الوجـــوه عــليها الــدود ينتقل
واستمر الإمام(عليه السلام) ينشده شعراً من هذا النوع الذي لم يكن يتوقعه المتوكل والمتوكل يبكي بكاءً عالياً حتى بلت دموعه لحيته وبكى الحاضرون لبكائه ثم أمر برفع الشراب. . . (74).
وهكذا عمت الثورة الأخلاقية أرجاء المعمورة الإسلامية بل وغزا بيت الخلافة وترك فيه آثاره الخلقية والنفسية على الظالمين أيضاً. . .
وحينما نقول ان الثورة الأخلاقية للإمام شملت الظالمين أيضاً فمن باب أولى أنها كانت مركزة للخط الايماني المبارك ليبقى في سوح العطاء والتضحية.
(هـ) تأييد الثورات في عصره:
فإنها كانت تحمل شعار ـ الرضا من آل محمد ـ يعني إمام أهل البيت وظهرت ما يزيد على عشرين تحركاً وانتفاضة في مختلف الأماكن في عصره من أهمها ثورة يحيى بن عمر بن الحسين ذو الدمعة في خراسان فاعتقل ثم أُفرج عنه فثار في الكوفة ثورة عارمة وحكم فيها ونشر العدل حتى قتل(رض) وكانت أكثر هذه الثورات بإشراف الإمام الهادي(عليه السلام) وتربيته مباشرة أو بصورة غير مباشرة حتى أن الخليفة المعتز بالله بالنتيجة حينما عجز عن احتواء الإمام وعزله عن الناس أو تحديد نشاطه بشكل لا يؤثر على سلطانه، أقدم على قتله بالسم ليموت شهيداً مسموماً وبذلك انتقلت الخلافة إلى الإمام الحسن العسكري(عليه السلام).
11 ـ الإمام الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) ودوره القيادي:
(أ) استلام الخلافة.
(ب) القيادة الروحية والفكرية والثقافية.
(ج) التأثير السلوكي والخلقي.
(د) تحصين المؤمنين بالسرية.
(هـ) الإعداد لفترة الغيبة.
(و) تأييد الثورات.
(أ) استلام الخلافة:
كانت ظروف الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) مشابهة لظروف أبيه الإمام الهادي(عليه السلام) حيث الإقامة الجبرية في سامراء للغرضين المعروفين وهما تشديد الرقابة عليه من ناحية ومن ناحية أخرى عزله عن الناس ولكن الأئمة بذكائهم وقدراتهم الفائقة في الإدارة والتأثير كانوا يمارسون أدوارهم العبادية والسياسية والاجتماعية والاجتهادية بشكل دقيق يحافظ على المصالح الإسلامية العليا ويبنون عناصرهم إيمانياً. .
وعلى العموم استلم الخلافة وملك القلوب وأدى الدور القيادي المطلوب منه على أحسن صورة.
(ب) القيادة الروحية والفكرية والثقافية:
وهذه القيادة لا ينازع الأئمة الكرام أحد من السياسيين والاجتماعيين وعلى مر العصور فكان الإمام العسكري(عليه السلام) كمن سبقه من الأئمة المعصومين فهو المرجع الأعلى للفكر الإسلامي والقضية الروحية والثقافية.
فكان يسأل الإمام أبو محمد العسكري(عليه السلام) عن كتب الفطحية والواقفة وغيرهم من المنحرفين فقال(عليه السلام) (خذوا مارووا وذروا ما رأوا. . ) وقد جمعت مدينة قم مئات الرواة والعلماء في عصره ممن تفرغوا لدراسة الحديث المروي وتصفيته من موضوعات (الخطابية والغلاة) وغيرهما من المنحرفين عن خط الأئمة والمتهمين بالكذب عليهم وكانوا يرجعون إلى الإمامين الهادي والعسكري(عليهما السلام) فيما أشكل عليهم أمره من الأحكام ولم يجدوا عليه نصاً فيما لديهم من مؤلفات أصحاب الأئمة السابقين ومروياتهم.
(ج) التأثير السلوكي والخلقي:
فالتأثير مستمر على جماهير الأمة الإسلامية بالرغم من المحاولات الحثيثة لعزل الإمام عن عناصره وجماهيره ولكنهم ما استطاعوا فكان لوجوده المبارك أثره الكامل على نفسياتهم وسلوكياتهم بل على جميع طبقات المجتمع. فكانت عناصره على اتصال دائم معه فينقلون للناس أقواله وانطباعاته بشكل دائم وهذا التأثير لم يقتصر على مريديه بل تعدى ذلك ليشمل أعداءه ـ أيضاً ـ فهذا عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير الخلافة القائمة يقول في الإمام(عليه السلام) (. . ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي. . . في هديه وسكونه وعفافه ونبله. . . ).
(د) تحصين المؤمنين بالسرية:
في مسألة الاتصال والتحرك فيما بينهم ومسألة اختراق النظام أيضاً فلكي يحافظ الإمام على قواعده وأنصاره وعناصره المتقدمة في العمل والجهاد كان يعمم أفكاره الأمنية ليسيروا ويعملوا بخفاء وسرية علماً بأنه في الإقامة الجبرية، فلذلك كان(عليه السلام) يحضر في بعض مجالس الخلافة ليثبت وجوده ويوهمهم بعدم وجود عقدة نفسية بينه وبينهم وليكتشف وضعهم الداخلي.
هذا من جانب ومن جانب آخر يفسح المجال لعناصره المزروعة في جسم الخلافة أن تمارس أدوارها المطلوبة بشكل تام وهم يرون قيادتهم الشرعية كيف تمتاز على القيادة المنحرفة بالمعرفة والعلم والقدرات والإمكانيات الهائلة من جميع النواحي الإدارية والفقهية والسياسية.
يروي أحمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان ـ وكان المعتمد قد استوزره ـ فقد جاء عنه إنه قال: كنت جالساً على رأس أبي في يوم مجلسه للناس إذ دخل حجابه وقالوا: إن أبا محمد بن الرضا بالباب فقال بصوت عال إيذنوا له فتعجبت منه ومن جسارتهم أن يكنوا رجلا بحضرة أبي ولم يكن يكنى عنده إلا خليفة أو ولي عهد أو من أمر السلطان أن يكنى فدخل رجل أسمر أعين حسن القامة جميل الوجه جيد البدن حديث السن له هيبة وجلال فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه مستقبلا ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم والقواد وأولياء العهد ولما دنا منه عانقه وقبل وجهه وصدره ومنكبيه وأخذ بيده وأجلسه على مصلاه الذي كان عليه وجلس إلى جنبه مقبلاً عليه بوجهه (وبعد ذلك سأله) فقال له: ذاك يا بني إمام الرافضة الحسن بن علي. . .
ومن ناحية أخرى كانت السرية هي القاعدة في تحرك عناصره المتقدمة فكان مثلاً عثمان بن سعيد العمري السمان وهو وكيل الإمام العسكري متستراً بيع السمن(75).
وحينما اعتقل بعض أصحابه أبو هاشم ومحمد العمري وغيرهما أخبرهم الإمام بالحذر من أحدهم يدّعي كونه علوياً ـ في الاعتقال ـ وفي ثيابه قصة كتبها للسلطان يخبره عن أحاديثكم وبالفعل كان ذلك. . فالإمام كان يتابع عناصره وقواعده ليحصنهم بالسرية والكتمان ومعرفة العدو واختراقه فلو تساءلنا من أين عرف الإمام هذا الشخص المدسوس معهم في السجن. . وعن طريقة أخباره النظام وهذا التفسير الموضوعي المقبول الذي يرتضيه العقل والمنطق فالإمام يريد المحافظة على أفراده لذلك يستخدم ما يمكنه من طرق ومعلومات لتحقيق هذا الهدف السامي.
(هـ) الإعداد لفترة الغيبة:
فترة الغيبة المقبلة للخليفة القادم لا بد من تهيئة ثقافتها وأرضيتها فكان الإمام العسكري(عليه السلام) يعلم بإلهام إلهي غيبي أن القيادة الشرعية المتمثلة بولده المهدي من بعده ستغيب عن الأنظار فلذلك كان لا بد من التمهيد لهذه الخطوة العقائدية أي الإيمان بالإمام الغائب والاتصال به عبر وكلائه بالغيبة الصغرى وبالغيبة الكبرى أيضاً.
فكان الإمام يوصي أصحابه ويعلمهم ذلك ـ وأيضاًَ كان يتحدث للناس في هذا المضمار وبالفعل لقد هيأ الإمام ظروفاً نفسية مناسبة لهذه الظاهرة الجديدة المنوه لها في أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة قبل هذا الوقت أما مهمة الإمام العسكري فكانت أصعب لأنها مباشرة تتواجه مع الناس وهو والد الإمام المعد للغيب. .
فلذلك استمر الإمام العسكري في هدفه هذا ومارس الغيبة بنفسه فوكل قيادة الأمة لبعض وكلائه وأمر الناس باتباعهم وكان يغيب عنهم فترة ويراسلهم بالمكاتيب والرسائل وهذا الأسلوب اتبعه الأئمة فيما سبق لعسر الاتصال بالناس بينما الإمام العسكري استعمله لتكريس فكرة الغيبة وتعميق الاتصال بالإمام عن طريق وكلائه فقد كان يختفي عن الأنظار ويحول الأمور إلى الوكلاء من استلام الحقوق وتوزيعها وكان بالمراسلة يجيب على أسئلتهم وإشكالاتهم حتى إن ابنه الإمام المهدي كان يخفيه عن الناس إلا للخواص ويحدثهم عنه وعن دوره في المستقبل وغيبته عن الأنظار، روي عن أحمد بن إسحاق قال: دخلت على أبي محمد العسكري فقال لي يا أحمد ما كان حالكم فيما كان الناس فيه من الشك والارتياب ؟ قلت لما ورد الكتاب بخبر مولد سيدنا(عليه السلام) لم يبق منا رجل ولا امرأة ولا غلام بلغ الفهم إلا قال بالحق قال(عليه السلام): (أما علمتم أن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى).
فبهذا الوعي خاض الإمام العسكري تجربته مما أربك الطغاة الحاكمين وبالذات المعتمد العباسي فبعد استشهاد الإمام العسكري(عليه السلام) وبأمر النظام الحاكم فتشت السلطة دار الإمام بحثاً عن وريثه وولده خوفاً وذعراً من هذا المنقذ المنتظر.
والملاحظ أن الإمام العسكري(عليه السلام) علم الناس فكرة الغيبة واعتبرها جزءاً من العقيدة الإسلامية باعتبارها جزء من الإمامة فكان يخاطب الناس ويوصي قواعده بالذات فمثلاً كان يقول: (. . لا يزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشر به النبي(صلى الله عليه وآله) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
وفي الرواية ـ كتب أبو محمد الحسن(عليه السلام) ـ فتنة تظلكم فكونوا على أهبه. . . (76).
(و) تأييد الثورات:
الإمام العسكري(عليه السلام) كالأئمة السابقين كان يقود ويؤيد المبادرات الجهادية الصادقة فما ترك ثغرة في قيادته للأمة روحياً واجتماعياً وسياسياً وجهادياً فكانت مهام الإمام العسكري تؤدى بشكل طبيعي بالرغم من المهمة الصعبة ـ التي ذكرناها آنفاً ـ إعداد الناس لقبول فكرة الغيبة فإنه كان يشرف على الانتفاضات الشعبية والثورات الجهادية التي كانت تحدث في البلاد وخاصة لو عرفنا إن المؤمنين قد انتشروا وتوسعوا في عهد الإمام العسكري في أكثر البلدان من إيران والكوفة وبغداد والمدائن ومصر واليمن والحجاز وحتى في سامراء العاصمة. . ولم يكن لهم مرجع سوى الإمام أبي محمد العسكري. .
وحدثت ثورات في مصر وهرات ـ أفغانستان حالياً ـ والديلم ونيسابور وخراسان وهمدان والهند والكوفة والجبل ـ جبل عامل في لبنان ـ واليمن. . . (77).
وكانت ـ بشكل أو بآخر ـ تحت رعاية الإمام العسكري (عليه السلام).