الحلــقة الأخيــرة
بقيت وحدي طوال الليل أفكر في كلام أحلام , محقة هي ,,لكن ثمة ضيق في صدري يطبق على أنفاسي .. ربما تجاوزت بعض الحدود في أنانيتي , ولم أرعى حقها هي بين زوبعة كل الأمور ..
القلق يفتك بي يحولني إلى إنساناً أحمق , تحسست حلقي .. أشعر بنفاذ الصبر , لاطاقة لي على تسير كل أمور حياة أسرتي , أجدني في عملي مضغوطاً وأمام أخي عادل مسئولاً ,
آه .. أطلقتها من صميم أعماقي .. صحت على أثرها أحلام , يبدو أنني أسرفت في أهاتي .. تحققت بعينيها الناعستين صحوتي ,,
_ خيــر لماذا النوم يجافيك يا عزيزي !!
- لا شيء حبيبتي , عودي لفراشك .
- قلبي لا يحدثني بخير , أراك متعباً منهوك القوى , قل لي ماذا يشغلك ؟
- لا تقلقي منامك , مشاكل في العمل .
تأملتني جيداً ..
- في العمل فقط !
- نعم , أشعر أنني مرهق بعض الشيء .
- ليس من عادتك أن تخفي عني شيئاً !! وعينك تسر لي بالكثير غير العمل .
أطبق على فمهِ بأصابعه , وهمس لي بهدوء ..
ستصحو (حنان) سنكمل حديثنا غداً , لكنني رفضت , أومأت لهُ أن نخرج خارج الغرفة , لابد أن أعرف حقيقة قلقهُ .
جلس على كرسيهِ الهزاز ,, وطلب قهوة .. الآن فقط تأكدت أنهُ يعاني من أمراً ما , فهو لا يجلس ويهز الكرسي بهذهِ الطريقة الهادئة إلا إذا كان هناك ما يوتره .. وقفت بجانبه , وسمحت ليدي أن تمتص بعض قلقه الذي يتطاير من رأسه ..
- دعك من القهوة الآن وقل لي , مالذي غير حالك !!
صمت قليلاً وتنهد ..
- لا أدري ماذا أقول لكِ يا أحلام أنا في مصيبة كبيرة .
شهقت ..
- مصيبة , لعلك تبالغ !!
- لا أبالغ , هي فعلاً مصيبة , وأجدني عاجز عن حلها .
- ياإلهي .. أخبرني فقد تصلبت قدماي .
- أخي فارس ..
استطرت تحثهُ على الكلام ..
- خلصني يا باسم , لا أحتمل المزيد .
- أختلس من أموال الشركة ثلاثة ملايين دينار.
حبست صوت شهقتي بين كفوف يدي ..
- كيف , ولماذا! هل هو محتاج !
- لا أدري , كيف سأصرف أمور الشركة , ولا أدري كيف أخبر عادل , لم أصدق أنهُ عاد من جديد , وخبر كهذا سيؤدي بهِ إلى الجنون .
- كيف حصل هذا !!
- تعرفين أن فارس يدير قسم الحسابات , وبطريقة ما كشف لي أحد الموظفين في قسم التدقيق أن بعض المعاملات والأوراق غير سليمة في تدقيق حساباتها .
مشيت بضع خطوات وأنا مشدوهة
_ وسفرهُ الآن .. هروب !!
ضحكت ساخراً ..
- الهروب الكبير .
- وما رأي المحامي في الموضوع !!
- حلهُ لا يناسبنا .
- ابحث عن حلاً أخر .
- للأسف ليس هناك من حل غير الذي طرحه المحامي .
- إذاً لماذا ترفض الحل الوحيد !!
- لأنه الحل الوحيد هو أن أتهم أخي باختلاس المبلغ , والمحكمة تصدر حكماً غيابياً ضده , ومن ثم تطالب المحكمة من الأنتربول الدولي بالبحث عنه .هل ترين أنهُ من المناسب يسحب أخي مكبل اليدين بين مطارات العالم ؟
تنهدت وهي تحبس أنفاسها ..
- كان الله في عونك .
- قال لي أنهُ مسافر إلى تونس , وعندما سألت في المطار بعض المعارف أكدوا لي أنهُ يوم سفر فارس لم يكن هناك طيران إلى تونس , باختصار لا أدري لا أين هرب .
- محمد ونزار يعلمون بالأمر !!
- لا .
ثارت ..
- إلى متى سيظل حالهم هكذا .. صامتين بدرجة بغيضة لا تطاق , توأمين حتى في تصرفاتهما ! يجب أن يتحملوا جزءاً من المسئولية .
- ليس هذا هو المهم .. كيف سأسدد هذا القصور المالي !! أنا وحدي المسئول , لا تنسي أنني المدير التنفيذي للشركة .
صدمني بكلامه ..
- ماذا تقصد .
استشاط غيضاً ..
- هلا كففت عن الأسئلة ؟؟ أنا مرهق
تواجدت في الشركة قبل الساعة السابعة صباحاً , أعطيت أوامر للسكرتيرة بأن لا تحول لي أية مكالمات , جاء اتصال إبراهيم الذي كنت أنتظره بفارغ الصبر ..
_ عندي أخبار سيئة .
- أخبار سيئة !!
- نعم ,
- البنك , سيحجز على رهن القرض إذا تأخر سدادهُ أكثر من ثلاثة أشهر .
- ومالحل ..!!
- الحل الأخير أن تتصرف في بيع أي شيء لتغطي العجز المالي الذي يحاصر الشركة ويهددها , لا تنسى أن قرض شحنة الأسمنت والحديد يرهن أهم فرع من فروع الشركة .
- كيف سأخبر عادل بالخبر ؟ ومن أين أسدد , سيولة المال لا تتوفر بسهوله .
_ لا داعي أن تخبر عادل .بإمكانك بيع أي شيء يخص والدتك وأختك سها أو أخوانك محمد ونزار وتعوضهم خيراً عنهُ عندما تتوفر السيولة , أظن أنهم لن يعترضوا, تعرف أكثر مني معنى الشروط الجزائية .
أنهيت كلامي , هز رأسهُ موافقاً على مضض , توجهت للباب هاماً للخروج ..لكنه أوقفني من جديد .. لحظة من فضلك . تقدم نحوي عانقني , انشداهً سيطر على كياني , أحاطني بيدهِ طوقني جيداً ,
وأردف ..
- سامحني يا أخي العزيز , لم يكن موقفي مهذباً .. أعرف هذا جيداً .. لكني تحملت مسئولية أخواني وأنا الأصغر بينهم , ضغوطاً كثيرة ألمت بي وأنت تعرف هذا جيداً , لاسيما مرض أخي عادل , تركني بعد أن كان يدير كل شيء ..
تعثرت كلماته .. وأبتعد عني بضع خطوات , أشاح بوجهه عني بغية أن لا أرى دموعه , بيد أني سمعت خطواتها وهي تسيل من حنان قلبه ,, ذهبت إلى حيث مهربهُ مني , إلى عينيه .. رأيت وجهه , كانت عيناهُ تحتقن بالدموع .. استطردت
_ تبكي !!
أجابني بصوتٍ يتقطع ..
- تلك هي أثار الضغوط التي حبست أنفاسي عن الكلام
مسح دموعهُ بكفيه وواصل كلماته المتعثرة ..
- كان موقفي منك سخيفاً , لكني لم أرى في ذلك الوقت إلا صورة عادل أمامي وهو يسمع نبأ زواجكما , خفت من ردة فعله , ومن تأثيرها عليه , وللحظة ما شعرت بقرب هيفاء منا كأخت وفراقها يصعب علينا بعد أن وجدناها في وقت محنة لم تكن إلا لمعرفة معادن الناس في وقت الحاجة .
ابتسم إبراهيم .. وربت على كتف باسم ,, وقال ..
- أنت حساس للغاية , دعني أزف لك خبراً يقشع الغيم عن سمائك.. هل أنت مستعد !! عادل موافق , وقريباً سأدعوك لعقد القران ..
قال باسم مستغرباً ..
- كيف !!
- كان هادئاً ومزاجهُ رائق . سألته مباشرة ودون لف أو دوران.. مارأيك في هيفاء ؟؟ قال لي قلبها كبير و أنا أعتبرها الآن مثل أختي سها , كم كنت مخطئاً في حقها .. وجدتها فرصة ذهبية .. داهمتهُ بدون تردد , هيفاء وحيدة في هذهِ الحياة فهل يحق لي أطلب يدها من أخوها عادل !! أعيشُ وحيداً ولن أجد أفضل منها زوجة . رحب وعانقني على الفور وبارك ارتباطي بها .
- متى !!
- ليلة أمس .
لمعت عيناهُ فرحاً ..وعاد لمعانقتي من جديد ..
- تستحق كل الخير وأكثر.
سألتها والفرح يقفز من عيني أتقبلين أن أكون أباً لأسعد ؟ أجابتني بسؤال .. أتقبل أن تكون أباً لأسعد !! طمعت أكثر وسألتها مجدداً ..
أتقبلين أن تكوني أنفاسي التي تسري في روحي .
أشاحت بوجهها بعيداً , خشية أن يفضحها بريق عينها , أجابت والفرح يضرج وجنتيها ..
_ نعم .
شعرت حينها أن قلبي وقع مني في مكان ما , انزلق مني وتوقف في مكاناً أكثر أماناً,
لم أكن حينها أقف على سطح الأرض كنت أحلق فوق السحاب .. بين الضباب , ألمح النجوم يشق نورها الهادئ وجه السحاب , وكانت نجمتي تتلألأ بحياء , ليست كباقي النجمات .. تمردت على كل النجمات لتعلن عن وجودها في حدود سمائي دون مغيب ..
وجاءت ليلة اللقاء .. ليلة لقاء قلبي بروحي , وعقلي بوجداني , حروفي وكلماتي وأبيات شعري المنظومة على صفائح دمي ..
رائحة أبخرة العود تنتشر في كل مكان , تدخل بين خصلات شعري وفي نسيج ملابسي ومسامات جلدي .. وتقتحم أنفي عنوة لتُشعرني بسعادة لا طاقة لي على وصفها , ولو وصفتها حتماً سيكون وصفي غير كافي .. كانت تُغطي شعرها وجزءً من وجهها بوشاحِ زهري اللون ..
عندما كشفت عن وجهها .. لاح لي قمراً ساطعاً يسرق النور من النور .. يلهم الشاعر ديواناً ثرياً ..
ابتسمت .. فسرقت روحي مجدداً بعد أن أعادتها إلي هذهِ الليلة .. سألت عيناها من أين لكِ هذا البريق !! لمست يدها فاحتوتني بكلي ..
سمعت تمتمات الجميع تقول لي ..
هنيئاً لك عروسك ..خفق قلبي بشدة .. طرنا معاً في سماء الحب نحلق بعيداً عن الأنظار, نستعد للحياة من جديد وبشكل فريد ..عرفت بأننا كنا على موعد مع الحياة
وأية حياة .. ليتكم تعرفون .
النــهـــايــة
أتمنى أن أكون قد ختمت القصة بمايليق بقراء القصة
دمتم بألف خيــر , والشكر الكبير لكل من قرأ حرفاً من أحرفها
ولكل من عقب عليها بكلمة أو بنظرة
تحياتي لكم وخالص مودتي
مع تحياتي المغرم