ولم يقصد الحسين (عليه السلام) بهذه الكلمة خصوص التعريف بأن قتله كان لأجل أن يبكي عليه فيستحق به الأجر في الآخرة بحيث لا يكون ثمة أثر آخر يترتب على قتله سوى البكاء عليه، كيف وهنالك أثار أخر أهمها إحياء شريعة الحق وتقويم ما اعوج من علم الهداية ونشر الإصلاح بين الأمة وتعريف الملأ بما عليه أمراء الجور من المفاسد والمطامع والأهواء التي لا تمت للإسلام بصلة قط.
ولكن أراد (عليه السلام) أن يؤكد الصلة بين ذكر مقتله وبين البكاء عليه فان لوعة المصاب به لا تطفأ ومضض الاستياء له لا ينفد، لاجتماع الكوارث عليه وملاقاته لها بصدر رحيب وصبر تعجبت منه ملائكة السماء فأول ما يتأثر به السامع لها أن تستدر دموعه فلا يذكر الحسين (عليه السلام) إلا والدموع تسبق الذكر ولا يخفى أن له محبة خاصة ومودة كامنة في قلوب أحبائه وهي مما يؤكد الصلة بين ذكره وبين البكاء عليه.
ولقد أهتم أئمة الهدى الأطهار (عليه السلام) بتركيز هذا الجانب العاطفي الولائي من الثورة الحسينية أي اهتمام، حتى أثر عنهم الكثير من الأقوال والأفعال والتقريرات التي تحض المؤمنين على إشاعة حالة البكاء والتباكي لمن تتعسر عليه الدمعة لكنه لم يفقد التأثر النفسي لأجل المصاب فيقول الصادق (عليه السلام) (من تباكى فله الجنة) وقال جده المصطفى فيما يروي جرير عنه أنه (صلى الله عليه وآله) قال: (إني قارئ عليكم ألهاكم التكاثر، من بكى فله الجنة ومن تباكى فله الجنة).
وهذا الحديث وكثير من طرازه يدلنا على أن التباكي منبعث عن حزن القلب وتأثر النفس كالبكاء لكن في باب الرهبة منه سبحانه، يكون الحزن والتأثر لأجل تصور ما يترتب على مخالفة المولى من الخزي في الآخرة فيتباعد عنه ويعمل ما يقربه إلى المولى زلفةً.
وفي باب تذكر مصائب آل الرسول يستوجب بغض من ناوأهم وأوقع بهم وأساء إليهم وهنا يشترك الباكي والمتباكي في إحراق القلب وتأثر النفس لأجل تصور ما ورد من الظلم على أهل بيت النبي (عليهم السلام) ويشتركان في لازمه وهو النفرة والتباعد عن كل من دفعهم عن مقامهم الذي أختصهم الله به.
أما سبب اهتمام الأئمة (عليهم السلام) وحثهم شيعتهم على تكريس حالة البكاء خاصة أيام المحرم وصفر فلعله ناشئ عن الظروف القاهرة والتقية المكثفة التي عاشوها في ظل الحكومات الجائرة من بني أمية والعباس التي حجبت أنوار علوم وفضائل آل البيت (عليهم السلام) عن الأمة مدة غير يسيرة وأقعدتهم في دورهم وأوصدت عليهم أبواب الاجتماع بشيعتهم ومحبيهم فلاقوا منهم ضروب الأذى والتنكيل وابتعدوا عن مسرح الحياة إلا قليلاً فآثروا العزلة على الخروج بالسيف في وجه دعاة الباطل مع ما يشاهدونه من تمادي أولئك في الطغيان وظلم شيعة أمير المؤمنين وأبنائه وتتبعهم تحت كل حجر ومدر وإبادتهم العلويين من جديد الأرض وكان بمرأى منهم بناء المنصور والرشيد الاسطوانات على ذرية فاطمة (عليها السلام) ظلماً وعدواناً.
فكان سبيل الأئمة الوحيد الجهاد الأكبر بتحريض شيعتهم على عقد المحافل لذكر حادثة الطف الخالدة وتواصل الاستياء والاحتجاج على ما هنالك من فجائع ومصائب وإسبال الدمع لكارثتها المؤلمة وأكثروا من بيان فضل ذلك إلى حد بعيد لأنهم علموا أن هذا هو العامل القوي لإبقاء الرابطة الدينية. فكان الأئمة (عليهم السلام) يتحرون أساليب مختلفة من البيان توجب توجيه النفوس نحو التذكارات الحسينية لما لها من العلاقة التامة لحفظ المذهب عن الإندراس، يقول الباقر (عليه السلام): (رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكرا في أمرنا فأن ثالثهما ملك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلا باهى الله بهما الملائكة فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر فإن اجتماعكم ومذاكرتكم إحياؤنا وخير الناس بعدنا من ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذكرنا).
ويقول الصادق (عليه السلام) للفضيل بن يسار: (أتجلسون وتتحدثون؟ قال نعم فقال (عليه السلام) (أما إني أحب تلك المجالس فأحيوا أمرنا، من جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب).
وهكذا فإن التذكارات الحسينية على اختلاف صورها من عقد العزاء والمآتم واللطم في الدور والشوارع وتلاوة الشعر والمراثي وعمل الشبيه وضرب السلاسل والتطبير والسجود على تربة كربلاء وسقي الماء على حب الحسين والزيارات العامة والخاصة إلى كثير مما يقيمه الشيعة في كل مكان من شعائر يوم عاشوراء خاصة له ماله من المعاني والمغازي التي قد يشكل فهمها والوقوف على أسرارها إلا لمن مارس كلامهم ودرس مقتضيات الأحوال وتتلمذ على باب مدينة علمهم.