منقول من صحيفة الوسط
الشمّري والاشتباه بين الإبداع والمدرسة،
المنامة - عبدالله حسن
طالعتنا صفحة ريضان في عدد سابق بمقال للأخ الفاضل نزال الشمري تحت عنوان: «هل توجد مدارس شعرية في البحرين؟».
.. وقد ذكر في مقاله أسماء لشعراء من الوطن العربي ودول الخليج ألصق بهم صفة المدرسة من دون أي تفصيل عدى مقدمة قاصرة لتعريف المدرسة الشعرية، ناهيك عن ان تلك المقدمة التعريفية كانت تتناقض مع بعض الأمثلة المطروحة من نماذج الشعراء الذين تم توزيع المدارس عليهم. وختم الكاتب مقاله بعلامة استفهام تسبقها صفعة في وجوه البحرينيين من خلف السطور مفادها أن شعراء البحرين هم الأسوأ على مستوى الدول العربية. فابتلعنا بمرارة علامة الاستفهام تلك والتي ختم الأخ بها مقاله حتى غصصنا بها. وابتدأنا ندحرج تلك العلامة فيما بيننا وكأنها كرة ثلج لتكبر وتكبر لتصبح بحجم روسيا ولكن بشكل علامة تعجب، فلم يكن لنا خيار حينها إلا أن نأتي بها من حيث انطلقت لنعيدها (على الأقل كما سنتوهم) إلى حجمها الطبيعي أو لنلغيها.
فما دعانا لهذه الوقفة هو سؤال يطرح نفسه. وهو: هل ما أتى به الكاتب نزال يعد حقائق إم انه وسيلة على الطريقة المكيافيلية لتحقق الغاية التي اعتقد * والله أعلم * بأنها سبقت في فكر الكاتب مادة الموضوع. وطبعا الغاية كانت واضحة فيما أضاعنا الكاتب في دهاليز الوسائل، فالغاية عرفناها من العنوان ولكن الوسائل هي من جعلنا نقف طويلا ونتفكر، «فنعسعس ونخمخم» باحثين عن صوابنا من صوابه. ففي العودة لمقال الزميل نزال نجد أن التعريف الذي سبق السرد لم يكن منسجما مع ما تلاه وذلك لأسباب التناقضات الموجودة. فعلى سبيل المثال فإن سعاد الصباح هي تلميذة في مدرسة نزار قباني فكيف تصنف على أنها مدرسة ونزار مدرسة أخرى فيما هي تعترف بفضل نزار عليها وأنه كان لها أستاذا تقتدي به، فكانت كتاباتها متأثرة بشكل واضح ومشابهة جدا لكتابات نزار حتى شكّك البعض في أن نزارا هو من يكتب لها ، كما ان بدر شاكر السياب والبياتي وغيرهما يعتبرون من رواد مدرسة واحدة وحقبة واحدة وثقافة واحدة. وأتمنى أن لا يكون الكاتب بذكره هذه الأسماء وعلى رأسهم السياب كان يشير الى أنهم أول من كتب الشعر الحر لأن دراسات عدة فشلت في إثبات أن السياب هو أول من كتب في الشعر الحر والكفة كانت تميل الى الشاعرة نازك الملائكة التي لم يأت المقال على ذكرها. وكذلك الشاعر مانع سعيد العتيبة، فهو مبدع بلا إشكال ولكن على اي أساس يعتبر مدرسة ؟ لقد كنت اقرأ له كل أسبوع في مجلة «سيدتي» وأستمتع بقراءة قصائده ولكنني لم أجده يوما خرج عن الشعر الكلاسيكي أو انه أتى ببحر جديد أو أسلوب لم يصل له أحد قبله. هو مبدع نعم، ولكن كتاباته لا تجعل منه مدرسة تختلف عمن سبقوه ولحقوه من مبدعي الشعر الكلاسيكي. وكذلك البعض من الأسماء المذكورة تنطبق عليها الأمثلة السابقة كالبردّوني الذي عرف بأنه من الشعراء المحافظين على كيان الشعر الكلاسيكي فلم ينفصل عن رواده ومدرسته. ما أريد قوله هو إنني أعتقد بأن الكاتب الشمري قد اشتبه عليه الأمر بين الابداع والمدرسة. فأن يكون شاعرا مبدعا هذا لا يعني بأن نصنفه على أنه مدرسة مستقلة. ولو فعلنا ذلك لخرجت لنا مدرسة من تحت كل حجر في الوطن العربي،.
ذاك فيما يخص شعراء الفصيح في الأمثلة الواردة في مقال نزال الشمري. أما ما يخص الشعر الشعبي فالأمر مختلف، فلو رجعنا الى الأمثلة هناك واستخلصنا منها الأسس التي صنفت المدارس على أساسها ومزجناها بالمقدمة فإننا سنجد مدرسة شعرية في كل شبر عربي تختلف لهجته وثقافته عن غيره، وسيحظى حينها من هب ودب من الشعراء بلقب المدرسة، فان ينتهج * حسب ما ورد في المقال*شاعر أو مجموعة من الشعراء طريقاً واضحاً ومعيناً في تناول ما يحيط بهم وما يجول في فكرهم من خلال قصائد ذات قالب جديد من حيث الأسلوب والسياق واختيار الالفاظ والتراكيب في قصائدهم فيشار للشاعر أو لمجموعة الشعراء بأنهم يتبعون مدرسة معينة ومن ثم يسمون بها، فتلك قسمة بلا شك (ضيزا) لأن هذا التعريف قاصر وغير عقلائي ويخلط الغث بالسمين. ذلك انه لا وجود لأي مؤشر يحدد مستوى تلك القوالب والأساليب والتراكيب أو اشارة للخصائص الجمالية ، ما قد يجعل حتى لهمج الشعر مدرسة اذا ما اتفقوا كمجموعة على الهمجية وسوء الكتابة كقالب وأسلوب ينتهجونه ،
كلنا يعرف أن الشعر الشعبي قائم على النظام الصوتي بعيدا عن علم النحو وعلم الصرف وعلم الدلالة، ما يربطه برابط قوي مع لغة الكلام العادي ولغة الحديث اليومي واللهجة الشعبية. فيعتبر الشعر الشعبي على هذا الأساس * وحسب فهمي * موروثا يتأثر بالثقافة وبالأعراف والتقاليد وطبيعة الحياة المحيطة بنا. وبطبيعة الحال فإن اللهجات والثقافات والأعراف والتقاليد تختلف من منطقة الى أخرى ومن اقليم الى آخر، وهذا يعني افتراضية التشابه في نتاج شعراء المنطقة الواحدة لاشتراكهم في اللهجة وفي الثقافة والعادات والتقاليد، وحتمية اختلاف شعراء الشعر الشعبي من منطقة الى أخرى ومن اقليم الي آخر لاختلاف اللهجات والثقافات والعادات والتقاليد أيضا. فإن سلمنا هنا بتعريف الشمري للمدرسة الشعرية فإننا سنوافقه على أن لكل من عائلة سدير وآل سعود وصقر النصافي ومرشد البذال وشعراء آل ثاني مدرسة وغيرهم ممن ذكر، لأن كل مجموعة متأثره بموروثها ومحيطها فتميزت به عن غيرها ومن ثم أُشير لهم على أنهم مدرسة. ولكن وعلى رغم عدم قناعتنا، إن كانت تلك متطلبات وشروط المدرسة سنقف عند علامة الإستفهام تلك ونقلبها الى علامة تعجب كحال استغرابة من عدم ذكر أي من الأسماء البارزة في البحرين والمتمسكة بتراثها الشعبي على أنها تعد مدرسة شعرية لها أسلوبها وثقافتها وموروثها الشعبي كما لدى غيرها ممن تم ذكرهم. فنحن في البحرين لدينا الكثير من الأسماء الشعرية البارزة والتي تميزت كتاباتها بالثقافة البحرينية والموروث الشعبي واللهجة الشعبية وأخذت طابعا مميزا عن شعراء المنطقة كالشاعر عبدالرحمن الرفيع وعلي الشرقاوي وعلي عبدالله خليفة وبدر الدوسري وغيرهم ممن حذى حذوهم. وهذا لا يعني بأننا نعدّهم مدارس شعرية ولكننا نعتبرهم من المبدعين في الشعر والمميزين وحالهم عندنا كحال غالبية المذكورين في مقال الزميل نزال والذين لا نعتبرهم مدارس شعرية على رغم ثقتنا وقناعتنا بإبداعهم وبروزهم. وطبعا كل ذلك إذا سلمنا بصحة تعريف المدرسة مقارنة بالشعر الشعبي لأني لا أؤمن بأن للشعر الشعبي مدارس بهذه الكيفية. فالشعر الشعبي لا يمكن تصنيفه الى مدارس مالم يخرج عن حال المتوارث الى المتدارس وهذه من أكبر عيوب الشعر الشعبي والتي جعلت بينه وبين الشعر الفصيح بونا شاسعا. فرواد الشعر الفصيح استطاعوا أن يجعلوا من الشعر ثقافة فيما لم يعجز عن ذلك رواد الشعر الشعبي وحسب، بل لم يحاولوا حتى فعل ذلك بمحاولات ملفتة ومؤثرة. ولهذا نجد شحا واضحا في الكتب التي تُعنى بالشعر الشعبي وتاريخه بعكس الشعر الفصيح وذلك عائد لسبب مهم وهو أن الشعر الشعبي ترعرع وازدهر بين أبناء البادية وشعوب الصحراء العربية الذين غلب عليهم طابع الأمية ويعتمدون في حفظ وتداول وتناقل معارفهم وفنونهم وقصائدهم وغير ذلك على الرواية والمشافهة. وفي الوقت الذي راح فيه الشعر الفصيح يتطور مع بناء الحياة المدنية ومع تطور العلوم والمعارف مارا بمرحلة التخصص والاحتراف ومن ثم التجديد والتحديث ظل الشعر الشعبي محافظا يتأثر في تطوره البطيء بالبيئة الثقافية المحيطة به ومجمل الظروف الإنسانية والطبيعية بعيداً عن التقدم الحضاري والتطور المادي والمعماري وتقدم المعارف الدينية والفلسفية والطبيعية التي أثرت بتطورها على تطور الشعر الفصيح والنهوض به فاستقى منها مضامينه واستلهم موضوعاته فتبلور حينها الشعر الفصيح كأدب له مؤسسة متخصصة قائمة بذاتها . وعلى هذا الأساس حدث التباين الواضح فتقدم الشعر الفصيح على الشعبي في الرؤية والمضمون والوظيفة والأداء والتداول والتدارس والإنتشار. ولو لاحظنا فإنه حتى حركة التجديد في الشعر الشعبي مقتبسة أصلا من الشعر الفصيح وليس لشعراء الشعر الشعبي في ذلك أي فضل. وإن كان هناك ما يميز الشعر الشعبي عن الفصيح فهو خروجه عن البحور الشعرية وكثرة الألحان التي تصل إلى ستة وسبعين كما ذكر المحقق سعد العبدالله الصويان في تحقيقه عن الشعر الشعبي. وذلك عائد الى ما ذكرناه في البداية وهو أن الشعر الشعبي قائم على النظام الصوتي بالإضافة الى تعدد اللهجات وهذا ما ساعده في تعدد الألحان وخروجه عن بحور الشعر.
وعلى ذكر المحقق الصويان، فإني أحببت أن أشير الى أن كتابه الذي بحث فيه تاريخ الشعر الشعبي لم أجده يذكر لفظ (مدرسة) على رغم محاولاته الكثيرة وهو يستعرض التاريخ، إبعاد الشعر الشعبي عن الأمية في بداية نشأته وتقدمه. وحينما أتى على تصنيف الشعر الشعبي وذكر الشعراء صنفهم تصنيفا تاريخيا لا ثقافيا. فقال: الحقبة الجبرية والحقبة الغريرية وحقبة الرياض وحقبة حائل وحقبة التوحيد وحقبة التجديد ولم يقل المدرسة الهلالية والمدرسة العامرية ومدرسة آل سعود ومدرسة آل ثاني، وفي النهاية أحببت أن أعاتب الزميل نزال عتابا أخويا على عدم إنصافه وتهميشة لشعراء الأرض التي أنجبت ثلاثة من شعراء المعلقات وعلى رأسهم طرفة بن العبد. ولأنك يا نزال لم تكن على هذه الأرض ضيفا وإنما من ذوي القربى لما بلغت ما بلغت سنعاتبك بهذا البيت لشاعرنا طرفة بن العبد:
وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ مـن وَقْعِ الحسامِ المهنَّدِ
ستبدي لكَ الايامُ ما كنتَ جاهلاً
ويأتيكَ بـالأخبـارِ مـن لم تُزَوِّ
