
شغل عشاق المستديرة الشاغل هذه الايام وخلال اسابيع مضت، هو الوقوف على صحة اعظم لاعب انجبته بلاد»التانغو« الارجنتين، ان لم يكن اعظم من لامست قدماه كتلة الجلد المملؤة بالهواء المسماة بكرة القدم.
نعم، الكل مهووس باخبار»الساحر« دييغو أرماندو مارادونا، حتى كارهيه، ومن حزب الجوهرة السوداء الخالدة اديسون ارانتوس دي سيمنتو الشهير طبعا بـ»بيليه« لم يملكوا الا متابعة اخبار تدهور صحة النجم الكبير الذي جمع كثيرا من المتناقضات معا، جمع المجد والذل، والمحبة والبغض، وحتى القاب الافضل والاسوأ.
ما سر المحبة الكبيرة التي يحظى بهذا اللاعب رغم مشاكله العديدة وفضائحه في المخدرات والسلوك المشين وتحوله لقدوة رياضية سيئة للشباب الرياضي؟! ولماذا تحول اعظم لاعب في عقود الكرة الحديثة الى كتلة من اللحم والشحم حتمت عليه هيئته وظروفه الرياضية بوداع معشوقته كرة القدم قسرا وبالدموع الحارقة؟!
صرخة تعلن ولادة أسطورة
لم يدرك والد دييغو ان الصرخة التي اطلقها ابنه الذي ولد نهار يوم *٠٣ اكتوبر من عام *٠٦٩١ في بيت فقير معدوم باحد الضواحي الفقيرة بمدينة بيونس ايرس عاصمة الارجنتين ، ماهي الا صرخة نجم لو تأت لنا ترجمتها لادركنا »مجازا« ان مطلقها يعلن وجوده وان هذه اللحظة، ماهي الا لحظة»فارقة« في عالم كرة القدم، فنجم الكرة الحديثة الذي سيملك كل شيء يوما ما لحد الجنون ها قد ولد لاسرة لاتكاد تملك سوى قوت يومها.
لابد من نبش التاريخ
لا اسعى لبيان سيرة حياة هذا النجم بالتفصيل، كون هذا الموضوع طرح مرارا، حتى اننا نشرنا مذكراته ابتداء من العدد الاول حتى العاشر من ملحقنا الرياضي هذا،لكن التطورات الاخيرة التي طرأت على صحة مارادونا واحساس الكثيرين بان نجمهم المحبوب قاب قوسين او ادنى من وداع كل شيء يربطه بهذا العالم حتم علينا اجترار سيرته والوقوف على نقاط مفصلية فيها، لنبين كيف يمكن للنجوم الكبيرة ان تقتل شهرتها بيديها وتمحو تاريخها الرائع بكل سهولة.
المحترف الصغير
كعادة اي طفل يولد في اكبر دولتين »وزنا« في القارة اللاتينية الارجنتين وجارتها الافقر البرازيل، فانه لابد وان يطرق باب السرقة او الاندماج في مجتمع المخدرات بالبيع او الترويج او الركض اللاهث وراء كرة القدم رأس المال الوحيد في تلك القارة الفقيرة.
دييغو الطفل البريء تعلق قلبه بالكرة متجاهلا الاشياء الاخرى، وكأن القدر قد اخبره بانه سيجرب الباقي لاحقا حين يغدو شابا وليس طفلا يمكن ان يغر ربه.
عموما بدأ يركل الكرة مع اقرانه في الحي، حتى قاده القدر لينخرط وهو في العاشرة بمدرسة المواهب الكروية بنادي ارجنتينوس جونيورز والذي كان المدرسة الاولى التي فجرت الابداع المارادوني وقامت بتأمين وجوده ضمن صفوفها حين غدا اصغر محترف في الارجنتين يوقع عقدا في الثالثة عشر من عمره، يومها سجلت الكاميرات الجملة التاريخية التي قالها دييغو بعد استعراض للكرة »سأفوز بكأس العالم«.
بداية تاريخ جديد
نعم ستفوز بالكأس الذهبية وغيرها، وستلامس السحاب بقدميك وبيد الرب، لكنك سترمي بكل ذلك وراء ظهرك وتهدم هرم المجد بمعاول النزوات واللذة.
اعرف ان يوم ميلادي يصادف *٠٢ اكتوبر*٦٧٩١ ، لكن من باب المصادفة ان اعرف ان اول ظهور لمارادونا ضمن صفوف الفريق الاول بأرجنتينوس كان في نفس اليوم، عموما هو رقم احس انه يجمعني كشخص باللاعب الكبير، نعم شارك مارادونا كناشئ في فرقة التانغو بكوبا امريكا قبل عامين من معاناة بسبب المدرب لويس سيزار مينوتي الذي حرمه من المشاركة في مونديال *٨٧٩١ لكن مارادونا رد بواقعية حين سجل بداية تاريخه في اول نسخة لمونديال الشباب عام *٩٧٩١ باليابان، حين قاد شباب التانغو للقب وتوج نفسه هدافا ونجما للبطولة.
في كاتالونيا
هل قال سيفوز بكأس العالم؟! عفوا كان يقصد الكأس الذهبية وليست الفضية، لكنه جلبها لبلاده في كل الاحوال.
الفتى الصغير كان هدفا للفرق المحلية، ونجح حينها البوكا في خطف توقيعه، لكن ازمة مالية عصفت بالفريق أجبرته ببيعه لفريقه السابق ارجنيتنوس، واستثمر فريق دييغو الاول نضوجه كرويا ليجعل بورصة اللاعبين تشتعل عليه، لكن الهدف كان اوروبا تحديدا، ورغم خيبة مارادونا في مونديال *٢٨٩١ باسبانيا الذي انتزع رقم»*٠١« من ماريو كيمبس هداف مونديال*٨٧٩١ فارضا عليه القنوع بالرقم»*١١« الا ان المحطة الاوروبية كانت في كاتالوينا وتحديدا في فريق الابداع البارسا.
وكما الملوك احتفى بالارجنتيني الصغير، الذي لم يدرك ان اولى محطاته خارج بلده ستكون كارثة رغم انه سجل اسمه كأغلى لاعب في العالم بثمانية ملايين دولار»حينها كان هذا المبلغ خرافيا«.
انحراف مبكر.. بطله البارسا
اتفق مع من قال بان مارادونا ظلم في صفوف برشلونة، وهي جملة قالها اللاعب الالماني الشهير حينها شوستر عن دييغو يوم زامله في الفريق، لكنني اؤكد على كون كاتالونيا السبب الاول في الوضع المزري الذي آل اليه دييغو.
مارادونا قدم فنا راقيا في الليغا وهذا مالم يعجب مدافعي الفرق الاخرى على رأسهم جزار اتلتيكو مدريد غوكوتشيا الذي لم يسعد الا حين حطم رجل مارادونا واجبره على البعد فترة عن الملاعب، ليبقى انجازه الوحيد كأس ملك اسبانيا.
ضع نفسك محل مسئولي البارسا، ما الحل الذي تمتلكه لجعل لاعب هو الاغلى في زمانه يتحامل على اصابته ويلعب؟!
المخدرات، نعم فمن برشلونة وهو الامر الذي كشفه مارادونا بنفسه بدأت رحلة الادمان، بداية بمهدءات ومسكنات وصولا لمخدرات تنسيه الالام ليلعب في ظل غياب فحوصات تكشف عنها.
عيون المافيا ترصده
مدينة نابولي صاحبة الميناء الاهم لدى المافيا الايطالية، كانت المحطة الاهم في تاريخ دييغو على الاطلاق، فشغف الناس به حدا بالمافيا لتمويل نادي نابولي المغمور بعشرة الاف دولار ثمنا لعيون مارادونا ، وبالفعل سجل دييغو اسمه مجددا كاغلى لاعب في العالم، وجاء ليشعل ملعب الفريق في *٠٣ يونيه *٤٨٩١ بالجماهير الذي استقبلته وهي تناشده بلافتات تقول »دييغو اصنع المجد لنا«.
تحقيق الوعد للتانغو
وقبل ان يصنع مارادونا التاريخ لفريقه المغمور كان لزاما عليه الوفاء بوعده لبلاده، وكان الموعد في مونديال *٦٨٩١ حين قاد كتيبة التانغو باداء لم يشهد للاعب سواه لاحراز كأس الذهب، وليقرن البطولة»قسرا« باسمه، فهو قدم كل شيء فيها خمسة اهداف ولا اروع، هدف في شباك الازوري الايطالي واثنان الهبا العالم في مرمى انجلترا الاول بيده والثاني بعد مراوغة نصف الفريق واثنان في مرمى عملاق بلجيكا والبايرن حينها جان ماري بفاف.
حقق النجم وعده وهاهو يقدم كأس العالم الذهبية لبلاده.
كيف تصنع المجد؟!
نعم مارادونا صنع المجد لنابولي، وحتى اليوم لو تأتى لقطط المدينة الايطالية الكلام لماءت باسم مارادونا، فاهل هذه المدينة يدينون بكل شيء لدييغو، وحتى لو ارتكب اعتى الحماقات، يبقى نجمهم الاول بلا منازع، حتى انهم شجعوه هو ضد منتخب بلادهم في مونديال *٠٩٩١ في يوم سمي بخيانة مدينة نابولي لصالح مارادونا على حساب الوطنية الايطالية.
دييغو بوعكته الصحية اسال بحورا من الدموع في نابولي، وكيف لا وهو الذي قاد الفريق لتحقيق اول لقب له في تاريخه عام *٧٨٩١ حين خطف الكالتشو من احضان اليوفي والميلان واعقبه بالكأس، ليجن الاف في نابولي دون ان يدركوا ان المزيد ينتظرهم مع النجم الرائع، بطولة ابطال الكؤوس الاوروبية عام *٩٨٩١ والكالتشو مرة اخرى عام *٠٩٩١.
بداية مسلسل السقوط
دعونا من مونديال نفس العام الذي شهد دموعه حين ضاع اللقب بضربة جزاء المانية، لنبحث قليلا في الملفات الخفية بمدينة المافيا نابولي، دييغو قدم لايطاليا بنقود المافيا ومسيرته في البارسا لم تخل من المنشطات والمخدرات وبالتالي سار نابولي على نفس النهج وهذا ما كشفه رئيس النادي مؤخرا رغم قيام النادي بحظر ارتداء رقم »*٠١« تخليدا لدييغو، وكان موعد السقوط بعد اخر مباراة في الكالتشو امام فريق باري، حين بانت نتيجة المنشطات في جسمه، لينتفض العالم مدهوشا وليوقف البطل للمرة الاولى في حياته *٥١شهراً.
تدمير الذات
كثيرون هم المتناسون لاهم معادلة، وهي ان الوصول للمجد صعب، لكن الاصعب هو الحفاظ عليه، ويوما ما وصف الجناح البرازيلي الطائر جارينشيا بانه اعظم من انجبته بلاد السامبا وان قدراته تفوق بيليه نفسه، لكن جارينشيا وجد ميتا على قارعة الطريق بعد ان اغرقه السكر وانهكته حياة النزوات والشهوات.
دييغو الفتى من البيت الفقير، ابتسم له القدر وغدا اغنى اغنياء الرياضة، لكنه بدلا من ان ينهج نهج الكبار كبيليه والقيصر الالماني بيكنباور اثر السير على خطى جارينشيا بل وتخطى جميع الحدود، وكانت الصدمة حين قبض عليه وهو اسير للكوكايين، يومها ادرك العالم ان اسطورة رائعة نافست بيليه في النجومية وكانت مؤهلة للتفوق عليه، اثرت ان تدمر نفسها بنفسها.
السقوط مجددا
هل تاب مارادونا هل اثر فيه رفض عديد من الدول منحه تأشيرة دخول كاليابان والولايات المتحدة؟! هل صحا ضميره وانبه على تحوله لنموذج سيء للشباب؟!
كان الجميع يأمل ذلك، لكن ما يسري في الدم يصعب التغلب عليه، فبعد العودة للملاعب مع اشبيلية الاسباني وخوض مونديال *٤٩٩١ مع التانغو وتسجيله اخر اهدافه الدولية في مرمى اليونان، سقط مجددا في حفرة المنشطات وابعد من المونديال وسقطت الارجنتين بعده على النسور.
*٥١ شهرا مجددا من الايقاف، ومن العار والذل الاعلامي، أعقبها مشاكل لاتنتهي، رشقات بالمسدس ضد الصحفيين، مشادات في الحانات والبارات، ثم التوجه للتدريب وبعدها العودة لاعبا في صفوف فريقه القديم البوكا بعد *٣١ عاما بالتحديد.
الثالثة.. ثابتة!!
مازالت اذكر خبر عودته وكأنه بالامس، يوم اعلنت قناة ابوظبي الرياضية قبل تشفيرها بانها اشترت حقوق البث لمباريات البوكا من اجل عشاق دييغو، لكنها لم تكن سوى مباريات معدودة حتى ضبط النجم الذي لايتوب بالجرم المشهود والموعود، المنشطات، ليحتم على متابعي القناة مشاهدة البوكا بدون صاحب الرقم»*٠١«.
محاولات جادة بذلها دييغو للاقلاع، جلسات علاجية وتمارين مكثفة مع ضحية المنشطات الاخرى في عالم الرياضة العداء الكندي بن جونسون، لكن طريق العودة كان مستحيلا فجاء الاعتزال الذي فجر براكين الدموع ليس في الارجنتين فقط بل في العالم برمته.
من المذنب الحقيقي؟!
واليوم بعد ان ازاد وزنه واصبح كتلة ضخمة من الشحم واللحم، ورغم اختياره عبر الانترنت ليكون لاعبا للقرن مناصفة مع بيليه، يتبين للجميع ان النجم الذي نجح في تحقيق كل ما حلم به، هو اسير للنزوات والشهوات وللسم الابيض، هذا الكوكايين الذي بانت اثاره في دمه حسب ما افاد به الاطباء خلال عملهم على انقاذ حياته وهو في غرفة الانعاش. ذنب من هو، ادارة برشلونة الذي بدأت بضخ السم في جسد اعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ!؟ ام ذنب فريق لم يحقق امجاده الا بدعم اكبر منظمات الجريمة في ايطاليا والعالم »المافيا« ؟! ام لارادة الضعيفة للاعب يبكي كالطفل حين يخطئ؟!
كيف ستكون النهاية؟!
كانت الفرصة متاحة للاعب مثل مارادونا ان يملك كل المجد لو تمكن من التصرف بحكمة، ولو ادرك انه ليس اول نجم تصنعه كرة القدم، ولو انه لم يكابر ويرفض الاستفادة من تجارب الغير واقربهم اليه بيليه، الذي نصب نفسه مثالا اولا لامنازع له للشباب الرياضي، وانموذجا للنجم الذكي الذي يعرف كيف يدير زمام اموره، فكم فضيحة طالت بيليه عرف كيف يتعامل معها ويخرج منها بسلاسة كالشعرة من العجين؟! في حين وصل الامر بمارادونا ان يتسلق شاب اسوار بيته ليقابله راجيا منه الاعتراف بابوبته التي ينكرها دون ادنى سبب.
مارادونا اسطورة بالفعل، مهاريا فقط، لكنه باخلاقه لايرقى لمصاف اي رياضي مغمور، صحيح ان الجميع تأثر من اجله وبكت العيون من اجله، وحتى الهندوس صلوا من اجل شفائه، لكن اكبر ما اخشاه ان تستمر زلات هذا النجم الرائع لنشهد نهاية تشابه نهاية البرازيلي المبدع جارينشيا، حينها وكعادته سيخطف مارادونا منه الاضواء برمتها ليخلد التاريخ اسمه بانه اعظم لاعب عرفته ملاعب كرة القدم ينجح نجاحا باهرا في تدمير نفسه وفي اضاعة كل المجد الذي حققه بفنه الذي لن ينسى ابدا.