حب الرئاسة
نصوص من القرآن الكريم: (قالوا ربنا إنّا .طعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) [الأحزاب / 76]. من حديث عن الرسول الأعظم (ص): ألا ومن تولى عرافة قوم.. أتى يوم القيامة ويداه مغلولتان إلي عنقه.. فإن قام فيهم بأمر الله أطلقه الله وإن كان ظالماً هوى به في نار جهنم وبئس المصير.
وهناك نص آخر مشابه ورد عنه (ص)، وورد بصيغة: «لا يؤمر أحد على عشرة فما فوقهم إلا جيء به يوم القيامة مغلولة يداه...».
وعن الإمام علي بن أبي طالب (ع): ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرق رعاؤها أضرّ في دين المسلم من الرئاسة (أي حب الرئاسة)، وعنه (ع): إنه لم يهلك هولاء الحمقى إلا بخفق النعال خلفهم.. وعن الإمام الصادق (ع): إياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون.. فوالله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك وأهلك.
وعنه (ع): ملعون من ترأس.. ملعون من همّ بها.. ملعون من حدّث نفسه بها.
إلفاتات عملية:
1 ـ حب الرئاسة، هو أحد أهم وأخطر الأمراض المتفشية بين المسلمين.. ونعني به: أن يسعى الإنسان لأخذ موقع قيادي ما بدافع ذاتي لا بدافع رسالي.. ويشمل ذلك كل حب للترؤس سواء كان على مستوى جماعة صغيرة أو على مستوى حزب أو فئة كبيرة أو دولة.
2 ـ إن ما يعنينا في هذا الحديث هو واقع هذا الداء في حياة العاملين للإسلام بشكل خاص.. إذ أن التحري عنه في حياة المسلمين ككل، لا يحتاج إلى جهد.. بل هو من الوضوح بمكان.
3 ـ يشترط الإسلام في كل من يتصدى لموقع قيادي، أن يكون كفؤاً لاشغال هذا الموقع.. وأن يستغل مركزه لخدمة الرسالة والناس.. وهناك مواقع معينة اشترط الإسلام فيمن يتولاها أن يكون متوفراً على صفة العدالة (أي أن لا يترك واجباً، ولا يفعل محرمّاً).. بالاضافة إلى شرط الكفاءة.
4 ـ لو فكرنا في حالة التشرذم التي يعيشها العمل الإسلامي والعاملون للإسلام.. لوجدنا أن حب الرئاسة يشكل واحداً من أهم أسبابها.
ولا يمكن الاعتذار أو التبرير، بأن تفاوت الوعي واختلاف الآراء ووجهات النظر هما السبب الموضوعي لذلك.. فقاعدة «وتعاونوا على البر والتقوى» تشمل كل نقطة مشتركة خيّرة في مسيرة العمل الإسلامي.. والاختلاف حول بعض النقاط، لا يلغي وجوب التوحّد حول الكثير من نقاط الالتقاء.
5 ـ هناك حالات من حب الرئاسة في حياة العاملين للإسلام.. تبدو بارزة للملأ، وضررها يرتد فقط على أصحابها، أو على من يشايعهم من أصحاب الأهواء.. والمضللون بها هم قليلون نسبياً.
ولكن الأخطر بين حالات حب الرئاسة، هي ما نجده لدى بعض القياديين من علماء وغيرهم.. من قدرة على إلباس تعطشهم لحب الرئاسة ثوب الرسالية والمبدئية.. وينعكس ذلك في آرائهم ومواقفهم.. حيث تبرّر الصراعات الناشئد بين العاملين القياديين، بأنها للأسباب الموضوعية كذا وكذا.. مع التناسي بأنه حتى مع فرض وجود مبررات موضوعية للاختلاف في الرأي.. فإن الموقف العملي لا بد أن تمليه المصلحة العليا للرسالة فقط، وبتجرد كامل عن نوازع الذات.
6 ـ بما أن القيادة في الإسلام هي دائماً للأكفأ.. فمن «تنصّب لمنصب ليس أهلاً له فهو ملعون» كما في الحديث.. لذلك ينبغي على العامل للإسلام أن يترك موقعه القيادي بلا إبطاء إذا وجد من يفوقه كفاءة لاشغال هذا الموقع. كما ينبغي له أيضاً وبالمقابل، عندما يثق بكفاءته الشرعية لاشغال موقع قيادي ما.. أن لا يجد غضاضة في طلب أخذ الموقع والسعي إليه.. وحتى لو أسيء فهم ذلك من إخوانه.. فالعبرة تبقى في حقيقة النية والتوجه.. والعلاقة هي قبل كل شيء مع الله سبحانه وتعالى دون سواه. ويوسف عليه السلام هو الذي طلب من فرعون أن يجعله على خزائن مصر، لأنه كما قال: قوي أمين: أي كفؤ لتولي المنصب.. وأمين ثقة لا يستهدف من المنصب أية منفعة أو غاية شخصية.
7 ـ من المظاهر الشائعة لدى من يبتلون بحب الرئاسة من العاملين للإسلام القياديين.. هو استخدامهم لسلاح المعلومات من أجل تثبيت مكانتهم بين بقية العاملين.. وهكذا كلما ضمهم مجلس أو سنحت لهم فرصة، راحوا يثرثرون بما لديهم من أخبار ومن دون التفكير غالباً بمصلحة الرسالة التي قد تقتضي كتمان هذه المعلومات.
8 ـ ينبغي للعامل للإسلام، الموجود في أي موقع قيادي.. أن يكون على أشد الحذر من نفسه الأمارة بالسوء.. وأن يعمّق فيها باستمرار مفهوم التفاني في الرسالة.. بحيث يكون على أتم الاستعداد للابتعاد عن الأضواء ولترك موقعه القيادي إذا ما اقتضت مصلحة الرسالة.. وكل عامل للإسلام بحق.. يشعر بأن إيمانه وتقواه أكبر من الدنيا بأكملها؛ وليس من بعض المناصب فقط.
المصدر : مجلة المنطلق العدد الحادي عشر - ص 34