<div align="center">
لإفراج عن رهائن العريضة انتصار للكرامة والحوار الحقيقي مع المعارضة (بيان الأحرار)
أطلقت سلطات البحرين يوم الأربعاء الماضي، سراح رهائن العريضة الدستورية، الذين
قامت باحتجازهم على أثر إطلاق المعارضة لعريضةٍ ترفض الاعتراف بوثيقة 2002، وتطالب
الشيخ حمد بالالتزامَ بتعهداته والعودة إلى دستور البلاد العقدي. وقد اتضح منذ
البدء، أن اعتقال السلطات للمواطنين كان بقصد ابتزاز الحركة السياسية، وإجبار
المعارضة على العودة عن مواقفها السياسية، والدخول في الإطار الذي يُحدِّده دستور
الاستبداد، إلا أنّ صمود المعتقلين البطولي، ومعنوياتهم العالية داخل المعتقل،
والروح النبيلة التي تحلّى بها أهاليهم، أحبط هذه المساومة، وحوّل احتجازهم إلى
أزمة تؤرِّق السلطات.
لقد تمّ تحرير الرهائن بفضل صمودهم المشرِّف، والتضامن المخلص الذي أبداه الأهالي
معهم، واستخدامهم لوسائل الاحتجاج السلمي للمطالبة بالإفراج عنهم، والتفاف الجمعيات
السياسية والحقوقية في البحرين، وهو ما تناقلته وكالات الأنباء مشيرة إلى التدهور
السياسي الذي تتعرّض له البحرين، واستئناف الحكم الاعتقالات السياسية وسلوك التهديد
والقمع، والذي أخذ صداه الخطير بإعادة تهديد السلطات بإغلاق مركز البحرين لحقوق
الإنسان، ما أسفر عن إصدار العديد من المنظمات العربية والدولية بيانات الشجب
والتنديد التي أحرجت العائلة الخليفية، ومن بينها بيانات هيومن رايتس ووج، وفرونت
لاين، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، ومنظمة "هود" اليمنية وغيرها.
والمتتبع لمجريات الأحداث في البحرين، يُدرِك بوضوح أن لجوء الحكم إلى أسلوب
الابتزاز والمساومة، لم يكن منعزلاً عن الخط البياني المتعرِّج الذي جسّد تراجعات
الحكم عن كلّ وعوده وما أطلقه من مشاريع وشعارات. وهو ما يعني أن الحكم لا يجد
غضاضة في الاستمرار في خطه القمعي، واستخدام كافة الوسائل لردع الحراك المطلبي
للمعارضة، وإجبارها على الانخراط في الواقع السياسي المتخلف الذي أرساه دستور الشيخ
حمد ومجالسه الهزيلة. وكان يمكن أن يحصد الحكم الخليفي نتائج استثنائية لو نال ما
يتمناه من تهديداته وقمعه المتواصل، إلا أن شعب البحرين، برغم الآلام والجِراح،
فوّت عليه الفرصة، وردّ مكائده وحبائل المرتزقة إلى نحورهم، لينتصر هذا الشعب
العظيم مرة أخرى على حكم العنجهية ونظام الارتزاق السياسي، ويفرض عليه ما يكره،
ويثبّت كرامته ببطولات أبنائه المتواصلة.
لقد رضخ النظام لصمود الناس والمعارضة، خصوصاً وأن الشيخ حمد ليس مستعداً أن يتلبّس
نظامه بهذه الفضائح المتتالية، وهو بحاجةٍ لأنْ تبقى صورة عائلته نظيفة في قمة
الدول الصناعية في الشهر المقبل، وصفحة حكمه بيضاء، ويُعيد تثبيت مشروعه في الإصلاح
المزعوم هناك، خاصة بعد أن بدأت الأوساط المعنية في واشنطن ولندن تتحدّث عن تراجع
مشروعه إلى الوراء. وينبغي أن يُسجّل ذلك باعتباره انتصاراً حقيقياً لإرادة الناس،
وتتمعّن فيه المعارضة ملياً وهي تُقدِم على أيّ خيار في معركة الحقوق القائمة مع
الحكم الخليفي، بدلاً من التواكل المطلق على التحليلات المكذوبة والصيّغ المخدوعة
التي تُدفع في الوجوه من أجل إحداث التضاد مع الناس وحيويتهم المطلبية العالية.
فاستمرار اعتقال هؤلاء الابطال لم يكن خيارا للحكم في هذه الظروف التي ظهر فيها
استبداده للعيان، وهو مرغم على اطلاق سراحهم، ولكن، كما فعل عندما اطلق سراح
المعتقلين السياسيين في2001 تحت الضغط الدولي، سعى لتسجيل "مكرمة" جديدة بهذه
الخطوة، ويجدر بالمواطنين ان يعوا هذه الحقائق.
ومن الحريّ أن نسجّل الدروس المستفادة من تجربة الأيام الماضية:
- وقائع الأمور الجارية على الأرض، لا تدع مجالاً للشك بأنّ العائلة
الخليفية لا تضمر أدنى نسبة من الجدية في الإصلاح، ومن الضروري أخذ ذلك بعين
الاعتبار، وتأسيس المعارضة لرؤيتها السياسية على ضوء ذلك، لكي لا يجد الناس تفاوتاً
بين الخطاب والواقع العملي، ويتنكّب المسار عن جادته الصحيحة. فمن غير المنطقي
سياسياًً، ألا تفرز وقائع التراجع المتتالية، خطاباً موازياً في صفوف المعارضة،
ويظل خطاب مرحلة التخدير ساري المفعول، وكأن شيئاً لم يكن. هذا جزء أساسيٌّ في سياق
العمل السياسي، وتحديد اتجاه الحركة السياسية ومطالبها الأساسية.
- بدأ مشروع التخريب ينكشف شيئاً فشيئاً أمام الرأي العام الدولي، وتعرّى
على نحو واضح بالنسبة للمراقبين والمتابعين لشئون البلاد. فالاعتقالات التي لم
تشهدها البلاد إبان إطلاق عرائض تسعينات القرن المنصرم، جرت بشكل متعسِّف مع عريضة
2004، وأخذت طابعاً أكثر سوءًا وبشاعة مع انطباعها بطابع المساومة وتحول المعتقلين
إلى رهائن حقيقيين. وهو ما أعاد الى الاذهان حزمة قوانين أمن الدولة التي لازالت
سارية المفعول حتى الآن، والتي استخدمتها السلطة بأسوأ ما يمكن ضد المعارضة في ظلِّ
ما يُعرف، كذباً وزوراً، بعهد الإصلاح. ولوحت العائلة الخليفية برموز الحقبة
السوداء لتخويف ابناء البحرين.
- لن ولم يجدِ أبداً الثقة بوعود العائلة الخليفية، ولا بخطط التدوير التي
يُوكلُ أمرها إلى المحيطين بها والساعين لرضاها. وهذا يعني عدم جدوى رمي كلّ ثقل
الحركة السياسية في أُطر النظام والمسارات التي يوجِدها. وإذا كانت متطلبات التكتيك
السياسي تفترض ارتخاءً دبلوماسياً مع الانبساط المحدود الذي تتصنعه العائلة
الخليفية والذيول المحسوبة عليها، فإن الخشية أن يتحوّل هذا الارتخاء إلى استهواء
كامل، يتبعه التفريط بالخيارات والبدائل الأخرى للاحتجاج والمطالبة وتفعيل الضغوط.
ولذلك تظهر الحاجة الملحة لتحديد الرؤية والمنهج المطلوب اتباعهما في التعاطي مع
مشاريع النظام وتصريحاته، بدلاً من الارتهان إلى الارتجال وإكراهات الأمر الواقع،
وبالتالي الانجرار إلى فخاخ ومهالك مفاجئة.
- برغم السياق المؤسف الذي راهن تطورات الأوضاع الأخيرة، إلا أنّ الناس
أثبتوا وعياً سليماً لأسلوب التعاطي مع التجاذبات وسيول التقهقر في أوضاعهم
الحياتية والسياسية. ففضلاً عن استمرار الفقر والبطالة ونظام التمييز والامتيازات،
فإن مصادمة السلطات لتطلعات الأمة، والوقوف في وجهها بلا رحمة، كان يمكن أن يؤدي
إلى تصادمٍ سياسي عنيف في سياقات أخرى، غير أنّ الإعلام المُجيّر والموهومات
المنظّمة التي اشتغلت على ترويج هذا السيناريو، انكشف زيفها وسوء مطاويها، بعدما
ظهر الناس رابطي الجأش وبأعلى مستويات الحكمة، ومتمسكين في الوقت نفسه بحقوقهم
ومطالبهم دون تراجع أو خنوع. وهذا يؤكد خطأ استلاب إرادة الأمة، ومصادرة حقوقها
الطبيعية في الاحتجاج السلمي والمطالبة بالحقوق وفقاً للأطر المدنية المشروعة.
- جلوس الحكم مع المعارضة وتبادل الأحاديث العامة معها شيء، والدخول معها
في حوار جادٍ ومنتِج شيء آخر. كما أن اللقاء مع الحكم لن يكون حقيقيا ومثمراً إذا
تمّ على خلفية أمنية ومسبوقاً بإجراءات من التهديد والقمع، وسيكون نوعاً من السخرية
والضحك على الذقون. وما تطالب به المعارضة هو أن يدخل الحكم في حوار متكافئ والنظر
في مطالب الناس، ومن غير مصادرات مسبقة، وبعد أن يُصحّح كافة الأوضاع المتدهورة
ويلغي قوانين أمن الدولة التي يتحصّن بها، ومراسيم القوانين سيئة الصيت التي حمتْ
الفساد والفاسدين. وبدون ذلك تبقى مناورات العائلة الخليفية مصاديق لسياسات التشويش
والتضليل، بعيدا عن الرغبة في حل الازمة بشكل حاسم.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار واجعل لهم قدم صدق عندك
حركة أحرار البحرين الإسلامية
21 مايو 2004</div>