السلام عليكم
لما توفي رحمه الله
كنت في الثامنة من العمر لم أكن أصدق أن أبي يتوفى.. قلت أنه كابوس سأفيق منه (يوما ما) قلت حسب ذهني البسيط أن الله كريم ولن يسمح أن نفقد والدنا.. إن والدنا محبوب قد قدم الكثير للناس والله لن يحرم الناس منه أبدا ..
لم أصدق أنا وأخي الأصغر.. كنا نبتسم ابتسامة بلهاء.. ابتسامة من لم يعرف معنى الموت وكيف أن الناس يموتون.. كنا نبتسم ونحن ننظر مئات الأفواج تدخل بيتنا الكبير وتخرج .. والقرية كلها في زحمة.. والناس يلطمون على الرؤوس .. لم نجد من يقول لنا ما يحدث بالأسلوب الذي يرقى إليه فهمنا.. كنا نرى أن هذه الجموع ستدعو الله أن يعود أبونا .. ولن يردهم الله..
كنا ننتظر الأفواج أن تنتهي.. كأنه دهر كامل.. ليلا ونهارا.. يمضي الأسبوع والأسبوع والناس كالنمل كأنهم قرروا فجأة أن يسكنوا معنا..
أنا وأخي كنا نتمنى أن ينتهي هذا الكابوس بسرعة.. لنعود لأبينا نقف عند النافذة الخشبية الخضراء.. ننتظر أن يلتفت إلينا فيرفع كفه السمحة عن هذا القلم الذي تعب من نفث حبره الذي رسم أروع صفحات من أفكار وأشعار.. يرفع كفه ليناولنا نقودا نرى فيها (كل) سعادتنا ومنانا..
بعدها بأسابيع .. وبعد أن تفرق الناس صارت الحياة سوداء كالحة.. بدأنا نسأل أسئلة جديدة: لماذا ينظر إلينا الناس هكذا ..نظرة إشفاق.. هذه النظرة التي استبدلوها بنظرات العز .. ولم نفهم لماذا أشاح عنا ذلك الكهل.. ألم يعد حبنا.. ربما ستفسر لنا الأيام إشاحة وجهه بلحظة خارجة عن الإرادة وهي لحظة تبلل وجهه بدموع استطعنا أن نلمحها وهي تفلت مسرعة..
لا ترحل يا أبي .. أرجوك لا ترحل..
فبعدك ستحدث أشياء..
لن تخدر فيها أوجاع الليل ..
ولن تضيئ دربها أنوار النهار..
لا ترحل يا أبي ..
أرجوك
لا ترحل..
لا..
لا ترحل