عندما أطوف بحار الشعر الأدبي خصوصاً شعراء العصر الجاهلي أجد نفسي متحيراً في
الآلية التي على أساسها تم تفضيل شعراء على آخرين أو على أساسها اخنلف في شعراء المعلقات إذا كان المقصود من المصطلح غير فكرة (القصائد التي علقت على الكعبة).
ربما ساهمت المضامين والأفكار في تغليب هذا على ذاك.
ربما ساهم حجم القبيلة الذس ينتمي إليها الشاعر في سعة التحمس والانتشار للقصيدة وبالتالي فرضت نفسها.
أو ربما ساهمت كثرة القصائد الجيدة للشاعر في اختياره.. وذلك على حساب نوع القصيدة أو العمق الذي ربما تصل إليه فقط واحدة منها..
اليوم مع
عمرو بن كلثوم الذي شغل الناس قبل مجيء المتنبي حتى قيل:
ألهى (بني تغلبٍ) عن كل مكرمة=قصيدةٌ قالها (عمرو بن كلثومِ)
لا يهمنا ما أريد من البيت من الحديث في هجاء بني تغلب بأنهم تغنوا بأمجادهم وبدعاوى الأمجاد عن المستقبل حتى يكون ماجداً فعلاً بدعوى أنهم اكتفوا بحديث الماضي عن التخطيط للمستقبل.
لكن يهمنا أن عمرو بن كلثوم أضحى حديث هذه الفئة بقصيدته الرنانة التي في مطلعها:
ألا هبي بصحنكِ فاصبحينا=و لا تبقي خمور (الأندرينا)
قدح كبير (صحن) من خمر منطقة (الأندرين) السورية هو مطلع قصيدة عمرو وليس الأطلال على عكس عادة شعراء الجاهلية.
لو دققنا لوجدنا أن الفئة التي نناقلت شعر عمرو بن كلثوم ليست بحجم الانتشار الذي يسمح لها بتغليبها على قصائد الاخرين، و ليس علو قدر القبيلة كذلك فهناك من قبائل الحكام الكثير، وليس بلوغ القصيدة ألف بيت (حسب ما يدعي البعض).. ولكن
الجودة..
سحر النون المفتوحة..
صخب الفخر القبلي..
وضوح العبارات التي صاحبت جزالة الألفاظ..
السجع والطباق.. الفواصل الموسيقية.. البحور الرنانة..
نضج روح الحكمة والتجربة..
أنظر إلى صرخة الفخر وما تتضمن من بلاغة وفصاحة:
متى ننقلْ إلى قومٍ رحانا=يكونوا في اللقاء لها طحينا
يكون ثفالها (شرقيّ نجدٍ)=ولهوتها (قضاعة) أجمعينا
يقول بأن من يحاربونه يخافون منه فلا يسعون إليه و إنما هو وقومه الذين ياتون أعداءهم غير مكترثين بهم.. فكأنهم حين يأتونهم يأتونهم برحى يطحنون بها ديار أعدائهم بما فيها!!
وما هو حجم تلك الرحى؟؟

إن ثفالها (جلدة الرحى المتدلاة بالأسفل) في شرق نجد

ولهوتها (الكف المملوءة بالبذور) بحجم قبيلة قضاعة!!!!
