العراب:
ننتظر مداخلاتك وأسئلتك.
الفرزدق.. شاعر العصر الأموي
تمهيد
عندما يقع بين يديك كتاب يجول عصور الأدب من العصر الجاهلي إلى العصر العباسي مثلاً لا تفكر في عدد الصفحات حتى لو تجاوزت 688 صفحة.. تسرح في أقسام الكتاب الأربعة وكأنك تعيش باستمتاع فصول المناخ الأربعة:
الأول: العصر الجاهلي: (أمثلة: طرفة بن العبد، عمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد(
الثاني: صدر الإسلام: (كعب بن زهير، وحسان بن ثابت(
الثالث: العصر الأموي: (الأخطل، جرير، والفرزدق(
الرابع: العصر العباسي: (أبو نواس الحسن بن هانئ، أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، و أبو الطيب المتنبي)
بعد أن يشرع الكاتب في بيان مميزات كل عصر يأتي في تفصيل عناصر مناخ هذه البيئة الأدبية من خلال :
الهجاء- الفخر- الغزل- المدح- الحكمة- الوصف – الرثاء - الشكوى والعتاب- الخمريات
دعونا نفتح صفحة هذا الكتاب
*******
الفرزدق.. نبذة تعريفية
عندما طلب منا الدكتور عبد الكريم حسن أن ندخل تجربة تلخيص أحد المواضيع الشعرية كانت الفرصة كبيره لي لأن أضع في جدول أعمالي هذه الفسحة من الوقت لأخصصها في هذا العالم البديع.. وفعلاً وجدت نفسي عند الصفحة 334 من الكتاب حيث القسم المختص بالعصر العباسي وحيث الشاعر
الفرزدق همام بن صعصعة من تميم. ويتناول الكاتب ما يتعلق به في 54 صفحة.
من معاني الفرزدق أكلة الفرزدقة الخبز الغليظ الذي يفتّ ليُشرب، وقيل أنه الغليظ أو القصير أو من في وجهه عبوس أو بقايا آثار لمرض كالجدري. حتى اسم الفرزدق غليظ في النطق ذو موسيقى قوية، وكذلك أسماء أولاده (لبطة –وهو شاعر- وسبطة و خبطة وركضة وزمعة وكلطة وجُلطة وخمس أو ست بنات (يعرف منهن مكية).
طبعاً هو من أسرة غنية وذات جاه عريض .. وهي قبيلة معروفة القدر منذ الجاهلية؛
فجده صعصعة كان أول من ينقذ الموؤودات من الدفن أحياء حيث كان يفتديهن مهما غلا الفداء بالنياق ذلك أن أحد تبريرات التخلص من البنت أنها ضعيفة لا تستطيع العمل و إنها بحاجة لمن يعولها فهي إذن تسبب الفقر.! قال تعالى (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً )الإسراء31جعل على نفسه عهداً أن لا يسمع بموءودة إلا فداها وقد فدى قبل الإسلام 300 موءودة.. يقول الفرزدق مفتخراً:
أبي أحد الغيثين صعصعة الـذي=متى تخلف الجوزاءُ والدلو يمطرِ
أنا ابن الذي رد المنيّـةَ فضلُـهُ=فما حسبٌ دافعتُ عنـه بمعْـورِ
هذا عن جده. أما
أبوه غالب فشهم مشهور بالسخاء ولما أصابت قبيلة بني يربوع السنة (أي أن أرضهم لم تنتج) حلوا على بلاد كلب، فذهب غالب إليهم ونحر لهم النياق قيل 100 وقيل 300 ناقة.
وأم الفرزدق من أسرة شريفة من قبيلة ضبة.. لقد كان الفرزدق يفتخر بوراثة الشاعرية من
خاله العلاء بن قرظة وجده صعصعة.
ربما تكون
ولادته في عهد الخليفة الثاني، لأنه يقول عن نفسه أنه كان يجيد الهجاء أيام الخليفة عثمان بن عفان. كما أنه قدم مع أبيه إلى الإمام علي عام الجمل سنة 36هـ في البصرة فلما قدمه صعصعة للإمام قائلاً: إن ابني هذا من شعراء مضر قال علي: علمه القرآن فهو خير له. وهكذا فقد اعتزل الفرزدق الناس فترة وقيّد نفسه لحفظ آيات القرآن الكريم.
لكن البصرة سوق العرب التجاري والأدبي، وهي وصلة بين البادية والحاضرة فقد امتزجت نفسه في البيئتين كانت نظرته للمرأة مشوبة بنفس مادي نرجسي (زوجاته كُثُر) وكان وجدانه يعتمره الفخر والاعتداد بما له من حسب ونسب ما أتاح له الاطلاع على فنون الكلام لهذا فقد كانت له في شبابه وطيشه تبريرات فكان إذا عوتب في مذمة وقيل له:
- ألك هذا الرجاء بالله وأنت تفعل ما تفعل؟!!
فيقول: أتراني لو أذنبت إلى والديّ.. أكانا يقذفاني في تنور وتطيب أنفسهما بذلك؟
-لا!.. بل كانا يرحمانك
هنا يضرب الفرزدق ضربته: أنا والله برحمته أوثق مني برحمتهما!
عوامل قوية كثيرة في شخصية وبيئة الفرزدق صنعت مقدمة قوية له لأن يكون في أحسن المقامات الروحية والدينية والاجتماعية، لكن الفرزدق فوّت على نفسه فرص كبيرة. وكأن نصيحة الإمام علي له فيها إغضاء عن شاعريته وتوجيه له لقراءة أدب السماء ربما ليست أمراً عارضاً ينصح به كل شاعر، خاصة مع علمنا بأن أهل البيت يحتفون بالشعراء ويكرمونهم ويحثونهم على ذكر فضائل أهل التقى من خلال هذا المنبر الإعلامي الضخم الذي تحفل به الأمة العربية بالأخص والإسلامية عموماً... بيوت الجنة تنتظر الفرزدق.
نطق الفرزدق - في ظرف خاص- بقصيدته الميمية اليتيمة (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته) في مدح زين العابدين، لكن شعره الباقي قبل ذلك وبعد ذلك أوغل فيما لا يرضاه زين العابدين!! ولعل هذا ما شكك أبو الفرج الأصفهاني في أمر نسبه تلك القصيدة الرسالية إلى الفرزدق.
نعود لاحقاً