*******
النقائض والهجاء:
لقد ملأ الفرزدق قراطيس الشعراء وبيئة المجتمع العربي بالفخر بالذات وبالهجاء للآخر. أو بمدح التملق ليسترضي الولاة خوفاً منهم أو رغبة فيما لديهم! وانطلق الفرزدق في تسابق محموم يذكي أوار العصبية القبلية في حروب النقائض مع جرير.
أمعن في الهجاء إمعانه في المدح بحيث اجتاز الحدود حتى تعرض لحرمة نساء من يهجوهم متهماً إياهم بالفجور .. وذلك فقط لينتصر في لعبة النقائض مع خصومه.. صار الشعر في أحايين كثيرة أداة للتسلية وللتمثيل بالآخرين.. واستخدم أبذأ الألفاظ و أخبث المضامين في هذه الحرب غير النظيفة.! وصار أداة للانشغال والاشتغال والتسلية عن قضايا الأمة ليغرق المجتمع في إعلام مختلف و بمعارك درامية الغالب فيها شر من المغلوب.. فكانت حروب شعرية مدادها الشعراء و القبائل والحكام.. والاصطفاف حول هذا أو ذاك! .. ومع هذا التضخيم لمدح الذات وهجو الاخر كان للفرزدق نصيب في شعر الخمريات.مما أعطى الصورة غير المرضية له كشاعر مسلم ينتظر منه أن يكون صاحب رسالة.. للأسف لم يحسم الفرزدق صاع نفسه ليكون مثل الكميت.
كثير من مفاهيم الاسلام اهتزت لدى المجتمع في العصر الأموي بسبب الطبقية و البيئة الثقافية، كان فيها الفرزدق الضحية والجلاد في آن واحد.. تعالوا نرتقب نماذج شعره:
• الافتخار الجمعي والهجاء الجمعي : لقد نسي الفرزدق أو تناسى وهو في حومة السجال وصراع الديكة قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فطفق يقول:
فمالك لا تَعُدّ بني كليبٍ=وتندبُ غيرهم بالمأثراتِ
• استخدام ألفاظاً نابية قاسية واتهامات بالأعراض بالجملةوبالمفرّق يقول عن نساء جرير:
كبرن وهنّ أزنى من قرودٍ=وأنجس من نساءٍ مشركاتِ
إنه الهجاء المر الذي يقتحم فيه المهجو اقتحاماً بهذا يكون أهجى شعراء العصر الأموي.. وهكذا كان يفعل جرير حتى لوثوا المجتمع بألفاظ وعبارات ومعاني الفحشاء و النميمة والغيبة..! أنظر للفرزدق وهو لا يتحرج في أن يقول:
ولكن قد ورثت بني كليبٍ=حظائرَها الخبيثة والزرابا
كليبٌ دِمنةٌ خبثـت وقلّـت=أبي الآبي بهـا إلا سبابـا
فأغلق من وراء بني كليبٍ=عطيةُ من مخازي اللؤم بابا
لقد أوغل الفرزدق في مدحه وهجائه فمدح أعداءه وذمهم في آن واحد كما هو الحال في هشام بن عبد الملك.. وفي سليمان بن عبد الملك.. وفي الحجاج! لكن صادق مدحه لم يوجد إلا في حالات نقية كما هو في مدح زين العابدين.
نلاحظ أن شعر (النقد).. إذا زاد حدة وأصبح شخصياً تحول إلى (هجاء).. و إذا زاد أوار الهجاء فإنه يصبح (نقائض) لأن كلا الطرفين ينقضْ وينقضّ على الآخر! ومع ذلك نستطيع أن نقول انه يمكن من خلال الهجاء أن نجد جوانب مشرقة في شعر الفرزدق مثل:
• هجائه خالد القسري حين قدم أميراً لهشام عندما صادر حق أحد الناس بغياً وقهراً وجعل منها طريقاً لنهره الذي سماه (المبارك)، قال:
أهلكت مال الله في غيـر حقـه
على النهر المشؤوم غير المباركِ
إنه موقف خلاق ودفاع عن حقوق الفقراء وقليلون الشعراء الذين ينحون هذا المنحى.
• هجاؤه الوالي عمر بن هبيرة الذي أخذ حقوق الناس حتى عم الفقر في عهده كما يقول الدكتور حسن نور الدين ص365:
أ أوليتَ العراق ورافديـهِ=فزاريّاً أحذّ يـد القميـصِِ
ولم يك قبلها راعي مخاضٍ=ليأمنه على وركي قلـوصِِ
تعتّق بالعراق أبو المثنـى=وعلم أهله أكل الخبيـصِ
يقول أن الوالي لا يعرف حتى ركوب وركي الفرس!
• وينتقد الخليفة يزيد بن عبد الملك على تعيين عمر بن هبيرة.
فهنا نجد الفرزدق يدافع عن مصالح الناس ويستجوب الوزراء على طريقة برلمانات اللجان الشعبية! وهي تتناقل في أرجاء المعمورة ما يتحدث عنه من فساد مالي وإداري وأخلاقي! دون أن يلتفت إلى مناصبهم ومواقعهم و غير ذلك.