شخصية الفرزدق تلقي بظلالها على أساليبه الأدبية
مدحاً وفخراً ورثاءً
علو قدر الفرزدق في النسب والحسب من جهة أبيه (أعيان قبيلة تميم)وأمه (أسرة شريفة من قبيلة ضبة) وغنى الفرزدق جعله شامخاً معتداً بنفسه تنظر له سائر القبائل نظرة إعجاب حتى أنه كثرت زوجاته.. هذا الأمر ألقى بظلاله على شخصية الفرزدق فكره ولغته فصارت عبائره جزلة وألفاظه متينة فخم، وإن أخذه الشباب فترة من الزمن لمرحلة شعرية عاطفية شفافة فقد أخذته قسوة الحياة بعد ذلك إلى مضاهاتها في المعاني و في الألفاظ ليتكلم باسم (شاعر القبيلة المطلق) وتأخذه النقائض إلى عصبية الطبقية القبلية؛ فزاد في الهجاء حتى أقصى ما يملك من قدرة لكنه تميز بصياغة القصائد التي قد يستغني البيت الواحد فيها بنفسه فلا يحتاج لغيره فيصبح مضرب المثل ومن ذلك قوله:
فيا عجباً حتى كليبٌ تسبُّني=كأن أباها (نهشلٌ) أو (مجاشعُ)
كان هجاؤه وفخره قوياً يصنع العبارة التي تتناهى أصداؤها في أقطار العرب.. ولما قال المفضّل الضبي بأن الفرزدق غلب جرير شعراً إذ هجا قبيلتين في بيت واحد بقوله:
عجبتُ لعجلٍ إذ تهاجـي عبيدَهـا=كما ( آل يربوعٌ) هجوا (آل دارمِ)
فقيل له بأن جرير غلب الفرزدق بقوله:
إن الفرزدق والبعيث وأمه=وأبا البعيث لشرُّ ما إستارَ
إستار يعني الأستار الأربعة المذكورة في البيت قال المفضل: وأي شيء أهون من أن يقول إنسان: فلان وفلان والناسُ كلهم بنو الفاعلة!!!
لذا نجد أن الهجاء ليس بألفاظ الفحش مثلاً أو القدح وإنما هو عناصر فنية في المقارنة و المجادلة الإقناع والمفاضلة.
مما زاد من شدة الفرزدق وحدته أنه كان رجل المعارضة فقد هجا كما قلنا الكثير من الولاة ممن سبق أن ذكرناهم ونضيف عليهم الآن: زياد بن أبيه و عبد الله بن الزبير.
وعن مدحه لهذا أو ذاك ممن تعرف قطعاً بعدم ميله النفسي والاجتماعي لهم، فقد كانت لها أسباب ظاهرة حتى لو لم نتفق معه فيها إلا أنها كما تنبئ كما يقول طه حسين عن (عدم قدرته على معارضة الحجاج جهرة). فقد كان الحجاج شديداً وقد كرع طويلاً وكثيراً في دماء مخالفيه دون أدنى رحمة. فقد جنح الفرزدق لذلك لا لرغبة في مال فقد كان ثرياً وإنما طلباً للأمن والسلامة. (وهذا الأمر تحقق حتى في الكميت بن زيد مع الخليفة الذي عاصره رجاء حقن دمه).
شدة الفرزدق جعلته يطلب الكرامة فيصبح رجل المناكفة، فبينما كان يسعى جرير للخلفاء كان الفرزدق مستعصياً على الخلفاء يحاول تحاشيهم كما هو في عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد (لكنه بدأت اتصالاته بالأمويين ابتداءً بالخليفة سليمان بن عبد الملك لعداوته للحجاج بسبب محاولته إقصاء سليمان عن ولاية العهد وكأن الفرزدق يذكرنا بالمثل القائل بأن عدو العدو صديق)!.
لقد ذاق الفرزدق السجن في عهد هشام بن عبد الملك لمدحه زين العابدين.. و سجنه خالد القسري فلم يرضخ الفرزدق بل هجاهما! وهجا الحجاج.
عاصر الفرزدق 10 خلفاء أمويين لكنه كانت له علاقات بقادة المعارضة للحكم الأموي كالإمام الحسين عليه السلام و عبد الله بن الزبير و المختار الثقفي وابن الأشعث وبقادة الخوارج.
وحدثت تغيرات للفرزدق بعد لقائه بالأمويين حيث امتدحهم بعد ذلك مدحاً مفرطاً يعرف منه عدم وجود حرارة الصدق و عدم قناعته بهذا المدح.. فمهما كانوا فلا يعتقد هو ولا أي مسلم بمثل قوله بهشام:
أنت الذي نعت الكتابُ لنا=في ناطق التوراةِ والزبرِ
كم كان من قسٍّ يخبرنـا=بخلافة المهدي أو حبـر
ويضيف إلى العناصر المؤكدة على عدم قناعة الفرزدق بتلك المدائح أنه كان يشعر في قرارة نفسه أنه من أسرة لا تقاس شرفاً ومحتداً ومكانة ببني أمية.
كانت أبياته جزلة فخمة آسرة فكان الفرزدق مقدماً لمن يميل لهذا اللون من الشعر بينما كان من يميل للكلام السمح السهل السبك فإنه يميل إلى جرير.
على كل حال فإن شخصية الفرزدق جعلته قوياً في الهجاء وفي الفخر لأنهما يتناسبان في موسيقى الألفاظ والمعاني مع جزالة الألفاظ ومتانة العبائر وشدة المقال وحدة المضامين، لكن هذه العناصر لا تتوافر بمثل هذا القدر في مواضيع الرثاء لآنها تحتاج إلى رقة المشاعر؛ لهذا فقد كان رثاء الفرزدق مليئاً بالحكمة والتسليم بالقضاء والقدر لكنه لم يتعمق ليمسك شغاف القلب للحديث عن رهافة الخواطر تجاه من يرثيه، كما سنتطرق لذلك لاحقاً.