الفرزدق والرثاء..
رغم شاعرية الفرزدق الكبرى إلا أن
شدة ألفاظه و ميله للحكم والأمثال استعصت عليه أن يكون رقيقاً عاطفياً في رثائه.. فقصائده تتفاوت بين العادي وبين الملوح بمسحات حزينة مؤلمة.
رثاؤه ليس بهذه القوة لأن مشاعره لا تظهر بقوة إلا نادراً وبشكل خاطف غير عميق حيث يستغرق بالحديث عن كون الحياة والموت بأنهما حدثين طبيعيين حتى أن رثاءه للحجاج جاء أفضل من رثائه لزوجته وأولاده وأخيه الأخطل!!. يقول الدكتور ممدوح حقي بان الفرزدق (ينظر إلى أولاده كما ينظر التاجر) فهو (يربيهم ليدافعوا عنه المشاغبين إذا كبر.
رثاؤه على سبيل المثال لزوجته وأم أولاده (نوار) عديم العاطفة بل قاسٍ في حقها فيظهر ناكراً للجميل وربما تدل على احتقاره للمرأة بشكل عام! بحيث يعزف حتى عن زيارة قبرها لأنها أهون مفقود فيقول:
يقولون زر (حدراء) والترب دونها=وكيف بشيء وصلُـه قـد تقطعـا
ولستُ وإن عـزّت علـيّ بزائـرٍ=على المرء من أصحابه من تقنعـا
فهذا الرثاء غير مقبول حتى لو علمت بأن علاقته بها كانت تتوتر من حين إلى آخر..!
وفي رثاء أولاده ينعتهم بالبقر الذين رزء بهم مخاطباً (عدية) امرأة شمتت به لموتهم:
أجـل علـيّ مرزئـةً وأدنـى=إلـى يـوم القيامـة والنشـورِ
من البقر الذين رزئـت خلـوا=عليّ المضلعـات مـن الأمـورِ
أما ترضى (عدية) دون موتـي=بما في القلب من حزن الصدور
بأربعـةٍ رزئتـهـم وكـانـوا=أحب الميتين غلـى ضميـري
فقصائد رثائه مليئة بالعزاء والمواساة والتسليم.. ربما يكون قد شبع من الفقد.. أو أنه سلم أمره لله..دون أن يظهر من رثائه العمق والتجلي والانفعال. يقول لزوجته (نوار):
فقـد رزئ الأقـوام بـعـدي بإبنـهـم=وإخوانهـم فاقنـيْ حـيـاء الكـرائـمِ
ومن قبل مات (الأقرعـان) و(حاجـبٌ)=و (عمرو) ومات المرء (قيس بن عاصم)
ومـات أبـي و(المنـذران) كلاهـمـا=و(عمرو بـن كلثـوم) شهـاب الأراقـم
فما ابنـاكِ إلا مـن النـاس فاصبـري=فلـن يرجـع الموتـى حنيـنُ المـآتـم
إذن ليس هناك صورة جديدة أو معنى جديد و كأنما يلقي عبئاً عن كاهله هو عبء الرثاء!! الذي جاء فاتراً خالياً من العاطفة الرنانة الدامعة.
ولكن شعره لا يخلو من العاطفة الرقراقه كقوله في أولاده:
إذا ذكرت عيني الذين هم لها=قذىً هيج منها للبكاء انسكابها
ومن رثاء الأهل إلى رثاء ذوي الشأن نجد انه لم يكن في معظم مرثياته متفجعاً متهالكاً أو منسحقاً فهو لم يكن على هذا الشكل في رثاء أولاده وزوجته و أقربائه فكيف يكون مع الآخرين!
ورغم ذلك فإن من أصدق ما قال في هذا لباب حيث تتعمق العاطفة ويزهو الوجدان وتشرق الصورة قوله في رثاء صديقه بشر بن مروان:
أعينـيّ إلا تسعدانـي أُلمكـمـا=فما بعد (بشر) من عزاءٍ ولا صبرِ
ولو أن قوماً قاتلوا المـوت قبلنـا=بشيء لقاتلنا المنية عـن (بشـر)
ولكـن فُجِعنـا والرزيـة مثلـه=بأبيض ميمـون النقيبـة والأمـر
غضبت ولم أملك لـ(بشر) بصارمٍ=على فرسي عند الجنازة والقبـر
عموماً يقول الدكتور حسن نور الدين ص386: (إذا كنا نغفر للفرزدق مديحه الحجاج على خلفية الخوف والتقية فما الذي يدفعه في رثائه)؟؟؛ نعم فهو يتحسر عليه معتبراً يوم فقده أحد أيام الدهر! فهو الرجل الذي أشرقت له أرض الرافدين وآمن كل خائف مظلوم كما يدعي!
ليبك على الحجاج من كـان باكيـاً=على الدين أو شارٍ على الثغر واقفِ
وما ذرفـت عينـان بعـد محمـد=على مثلـه إلا نفـوس الخلائـف
.
ولم بعدموا مـن آل مـروان حيـةً=تمام بـدورٍ وجهـه غيـر كاسـفِ
له أشرقت أرض العـراق بنـوره=وأومـن غـلا ذنبـه كـل خائـف
*******