سلمان:
لك الشكر العامر والثناء الغامر على التشجيع
لقد نفثت في دمي سم الخمرة وانتفخ به جرح السكرة
ملاحظات نقدية
بعد أن تكلمنا عن شاعرية الفرزدق يطيب لنا أن نضع بعض الملاحظات النقدية عليه.
في عالم الشعر نحن لا نتعامل مع رياضيات.. وبالتالي فالذوق يمثل حركية مستمرة ومتباينة، وإذا لم تكن هناك نظرية تربوية ثابتة فإننا في علم اللغة نجد اختلافاً بين ما هو فصيح وغير فصيح وبليغ وغير بليغ، وفي النحو نجد المدارس، وبالصرف نجد هناك القوانين كما نجد هناك "السماعيات". كما أننا في اللغة نجد أن هناك أكثر من لغة عربية وفق قبائل شتى، حتى في القرآن نجد هناك قراءات مختلفة مراعاة لهذا التباين في لغات القبائل العربية. حتى النحو نجد فيه اختلافات في بعض الأمور بين ما هو "كوفي" المنهج وبين ما هو "بصري" المنهج.
•
مداليل المفردات نفسها تتغير تبعاً للعصر فهل نقيّم مفردات الفرزدق بما نحن عليه الآن! إن هذا العالم واسع وعميق لهذا فإننا سنوغل فيه برفق.
تصوروا كم هو الاستغراب الذي جثا علينا ونحن نقرأ رثاء الفرزدق لأولاده بتلك اللغة الباردة ثم بتشبيهه لهم بالبقر..!..
لكن نعود فنسأل:
هل كان ليقولها لو أن المجتمع سيرفضها ويقلب تفهم كونها رثاء إلى (هجاء)! خاصة مع وجود المتربصين به وبشعره يصنعون من مثالبه قوالب هجائية.!
أجل عليّ مرزئةً وأدنـى=إلى يوم القيامة والنشـورِِ
من البقر الذين رزئت خلوا=عليّ المضلعات من الأمورِ
ولكم أن تتصوروا أنه لم يلقب الخليفة الأموي مروان بـ(الحمار) إلا من جهة الثناء عليه لشده صبره وتحمله المصاعب..! لهذا الأمر فإني أجد نفسي أختلف مع الدكتور حسن نور الدين لقوله صفحة 397: (والعجيب في هذا المقطع أن الشاعر ينعت أبناءه بالبقر الذين رزئ بهم).
وعلى ذلك نستخلص بأن
زمن الشاعر ومجتمعه كان يفهم المفردة بشكل ما على نحو مختلف عما نفهمه اليوم، وإن هذا الأمر استمر حتى في جزء من العصر العباسي في الشاعر علي بن الجهم مع الخليفة المتوكل حين جاءه يمدحه:
أنت كالكلب في حفاظك للو =د وكالتيس في نطاح الخطوب
• غير أننا نقول بأن الفرزدق وهو يعتاد الشموخ في الفخر والاقتحام في الهجاء
يصعب عليه أن يكون رقيقاً في الرثاء ليسمح لهبوب رياح الشوق وأمواجها الرقراقة،
وإنّ لتفرغ لمقاصد الهجاء أخذ حيزاً كبيراً على حساب ألوان أخرى.
يتبع
بعد الفاصل