نكمل الملاحظات النقدية على شعر الفرزدق..
• علّمه الهجاء الاندفاع في التعبير فربما تجد له
استعمال مفردة فخمة مثل (أجبال) موجودة في القواميس لكنها مهجورة وغير مستساغة فيأتي بها احتراماً للوزن.
أو أنه يقدم ذلك على المطابقة في التثنية والجمع (جبلي دمخ ويذبل) يعبر عنهما بـ(الأجبال) وليس الجبلان/ وهذا الأمران وقعا في بيت واحد في قوله:
كأن تميماً لـم تصبهـا مصيبـةٌ=ولا حدثانٌ قبل يوم ابـن غالـبِ
ولو شعر الأجبال (دمخٌ) و (يذبلٌ)=لمالا بأعرافِ الـذرى والمناكـبِ
ثم انظر كيف أنه في هذا الرثاء اكتفى بأن يجعل الجبلين يميلان فقط وليس يتفاعلان بمشاركة فعليّة مؤثرة تعبر عن الحزن.
إنه إذن
الرثاء العادي هو هو نفسه في جميع قصائده باستثناء بعض الومضات العاطفية السريعة. تعالوا نقرأ في مرثيته التي رثا بها من قتل من قومه مع عبد الرحمن بن الأشعث ومن مات أيام الطاعون:
لـو أعلـمُ الأيـامَ راجعـةً لنـا=بكيتُ على أهل القرى من مجاشعِ
بكيتُ على القوم الذين هوت بهم=دعائم مجدٍ كان ضخـم الدسائـع
إذا ما بكى العجاج هيّـج عبـرةً=لعيني حزين شجوه غير راجـع
فإن أبك قومي يا (نوار) فإننـي=أرى مسجديهم منهـم كالبلاقـعِ
• كأنه عجز عن إظهار حزنه فقام بوضع
كلمات مكررة في كل بيت وهي مفردة: بكيت/بكى/أبكِ هذا التكرار الذي يسيء إلى بنية القصيدة.. كما أن معاني أبياته تجدها قديمة من الثوب الجاهلي ليس فيها جديد.. لقد جدد في الهجاء والفخر لكنه في الرثاء تجده يتوكأ على معانٍ درست واستُهلِكت.
• السرقة الشعرية: كان لشعر الفرزدق نكهته المميزة، إلا أنه كغيره من الشعراء
تمر أبيات نجد له مثيلاً لها عند بعض من سبقه! حتى أن بعضه يكون متشابهاً لا يفترق لفظاً ومعنى!! فليس لنا إلا أن نحكم بأنه (سرقة شعرية).
- فمن أبيات امرئ القيس:
فعادى عداءً بين ثور ونعجةٍ=دراكاً ولم ينضح بماءٍ فيُغسَلُ
وقوفاً بها صحبي عليّ مطيّهم=يقولون لا تهلك أسلىً وتجمّلِ
ويقول الفرزدق:
فعاديت منها بين تيـسٍ ونعجـةٍ =و روّيت صدر الرمح قبل عنائها
وقوفاً بها صحبي عليّ كأننيِ
- ومن أبيات عمرو بن كلثوم:
لنا الدنيا ومن أمسى عليها=ونبطشُ حين نبطش قادرينا
ملأنا البرَّ حتى ضاق عنا=وظهر البحر نملأه سفينـا
وبعد أكثر من مئة سنة قال الفرزدق:
لنا دون من تحت السماء عليهم=من الناس طراً شمسُها وبدورها
أخذنا بآفـاق السمـاء عليهـم=لنا برُّها من دونهـا وبحورهـا
- ومن أبيات للنابغة الذبياني يقول:
الواهب المئة المعكاء زينتها=رقاق النعال طيب حجراتهم
قال الفرزدق:
الواهب المئة المعكاء والغررا=إني من القوم الرقاق نعالهـم
•
المبالغة الشديدة: عندما يهجو الفرزدق فإنه يبالغ أو يقسو في هجائه وعندما يمتدح يبالغ في مدحه لا يمنعه ذلك في أن تجد له في نفس الشخص المبالغتين في هجائه ومدحه!، لا تكاد تتخيل وأنت تقرأ له يهجو الحجاج:
لئـن نفـر الحجـاج آل معتـبٍ=لقوا دولـةً كـان العـدو يدالهـا
لقد أصبح الأحيـاءُ منهـم أذلـةً=وفي النار مثواهم كلوحاص سبالها
وكانوا يرون الدائـرات بغيرهـم=فصار عليهـم بالعـذاب انفتالهـا
وكان إذا قيل: اتق الـله شمّـرت=بـه عـزةٌ لا يُستطـاع جدالهـا
وإن كان قد امتدحه خوفاً من سطوته فلماذا يرثيه بمثل هذا المدح المبالغ فيه في قصيدة جميلة يقول فيها ما لا يمكن أن يعتقده مسلم ككون الحجاج أفضل الناس بعد النبي وأنه كان يحمي من المعضلات وأن يوم فقده هو أحد أيام الدهر! .. يقول:
ليبكِ على الحجاج من كـان باكيـا=على الدينِ أو شارٍ على الثغر واقفِ
وما ذرفـت عينـانِ بعـد محمـدٍ=على مثلـه إلا نفـوسُ الخلائـفِ
فلم أرَ يومـاً كـان أنكـى رزيـةً=وأكثـر لطمـاً للعيـون الـذوارف
من اليوم للحجاج لمـا غـدو بـه=وقد كان يحمي مضلعات المكالـفِ
أو قوله في رثاء الخليفة سليمان بن عبد الملك بأنه أعز الملوك ووارث النبوة وأنه رجل البذخ والسخاء:
ما للمنيـة لا تـزال ملحّـةٌ=تعدو عليّ وما أطيـق قتالهـا
تسقي الملوك بكأس حتفٍ مُرّةٍ=ولتلبسنّك إن بقيـت جلالهـا
أردت أعز من الملوك متوّجاً=ورث النبوةَ بدرها وهلالهـا
أغنى العفـاةَ بنائـلٍ متدفـقٍ=ملأ البـلادَ دوافعـاً فأسالهـا
ونعرف من هذا التقلب أنه ليس بالشاعر الرسالي الذي يحمل رسالة أو قيمة يدافع عنها ويدعو إليها..
وهكذا هو شأن الشعراء إلا من رحم ربي، حيث قال عنهم خالقهم سبحانه وتعالى وذلك في سورة سميت باسمهم (سورة الشعراء): (والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون . إلا الذين أمنوا عملوا الصالحات ، وذكروا الله كثيراً ، وانتصروا من بعد ما ظلموا) الآيات (224-226).