أنظر كيف يترك الهجاء عداوة لا تزيلها حتى الوفاة، وقارن ذلك بما ورد من هجاء جرير للفرزدق في ظروف لا تحتمل!
لما مات الأخطل رثاه الفرزدق ولكن بسخرية وكانه أراد للمهاجاة أن تستمر معه بعد الممات ولكن من طرف واحد:
زار القبور (أبو مالكٍ)=برغم العداة وأوتارها
وأوحى الفرزدقَ عند الممات=بام الجرير وأعيارها*
كسعتُ (كليباً) فما انكرت=كسكع المخاض بأغبارها*
طبعاً أعيارها كناية عن القلة والزراية ، وكسع تعني رفس.. فمن ذلة جرير وأهله أنهم كالغنم لا يثورون لمن يستفزهم ولا يثيرون غباراً. ولكن هل صحيح ذلك أم أن
هجائيات جرير كانت من العنف بمكان! من أعظم الهجائيات قصيدته التي كانت شرارتها التقاء جرير بالراعي النميري حيث انفعل وانصهر جرير بعنف فظهرت فحولته وبأسلوب الجزل القوي السهل المتين الراقص الجميل كانه انقض كالبازي على ذلك الراعي الشاعر بقصيدته البائية التي سميت (الدامغة) كما سميت (المنصورة):
أعدّ الله للشعراء مني=صواعقَ يخضعون لها الرقابا
قؤنتُ العبد عبد بني نميرٍ=مع القينين إذ غُلِبا و خابا
أنا البازي المدل على نمير=أُتِحْتُ من السماء لها انصبابا
إذا علقت مخالبه بقرنٍ=أصاب القلب أو هتك الحجابا
فلا صلى الإله على نمير=ولا سقيت قبورُهم السحابا
........
ولو وُزِنت حلومُ بني نميرٍ=على الميزان ما وزنت ذبابا
ومن خلال هذه المنارة الشاهقة برقت شرارة حريقه الكبيرة بقوله الشهير:
فغُضّ الطرفَ إنك من (نمير)=فلا (كعباً) بلغتَ ولا (كلابا)
قيل فما رؤي نميريٌّ رافع الرأس بعد هذه القصيدة لعظمها وقوتها وانتشارها ولم يجرؤ بعدها أحد على أن ينتسب نميرياص، حتى ان رجلاً من نمير حدق في امراة فجبهته بهذا البيت فانطفأ مخزيا.
لعلك يا عبيد حسبتَ حربي=تقلّدك الأصرّةَ والعلابا
إذا نهض الكرامُ إلى المعالي=نهضت بعلبةٍ وأثرت نابا
يقول للراعي النميري بان حسبت مواجهة جرير من السهولة مثل فك رباط الناقة! و سقف المعالي لديك أن تحمل العلبة/العلية التي تستدر فيها الحليب!!
ولما تفتر حرّة جرير بعد فطفق في اصطراخ هائج يكتسح كل من حوله من بني نمير و غيرهم:
إذا غضبت عليك (بنو تميم)=حسبت الناس كلهم غضابا
ألسنا اكثر الثقلين رَجلاً=ببطن منى و أعظمه قبابا
لنا البطحاء تفعمها السواقي=ولم يك سيل أوديتي شعابا
فما انتم إذا عدلت قرومي=شقائقها وهاتفت اللعابا
تنحّ فإن بحري خندفيٌّ=ترى في موج جريته عبابا
بموجٍ كالجبال فإن ترمه=تُغرّقْ ثم يرم بك الجنابا
......
تركت مجاشعاً وبني نمير=كدار السوء أسرعتِ الخرابا
إليك إليك عبد بني نميرٍ=ولمّا تقتدحْ مني شهابا
لم نفرغ من الهجاء بعد لنريكم كيف يكون هم الفرد منه الانتصار ولو بأقذع الشتائم والقذف و البهتان لنختتم هذا العصر الرهيب أثره على المة (العصر الأموي) بالحديث عن تفوق جرير في الغزل
ونفتح من ذلك جبهة هذا الفن من خلال العصر القادم. العصر العباسي الذي انتقل فنياً من هذا الضد إلى أدب المجون والفسوق حيث الجواري والخمور والغلمان.