قال عنه معاذ الهراء:
ذاك أشعر الأولين والآخرين. و قال الفرزدق له: انت واللّه أشعر من مضى وأشعرمن بقي.
وكان مبلغ شعره حين مات خمسة آلاف ومئتينوتسعة وثمانين بيتا
لم أستطع وانا أختزل النصوص الشعرية وتواريخ الشعراء أن أغض طرفي عن "رائعة الكميت" وأنا لا أعني "طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب" ولكن أقصد القصيدة التالية التي يفتتحها بصرخة مجلجلة يتضح من حرارتها أنها تمور من داخل أعماق قلبه:
ألا هل عمٍ في رأيه متأمل؟؟=وهل مدبرٌ بعد الإساءةِ مقبلُ
وهل أمةٌ مستيقظون لرشدهم=فيكشف عنه النعسة المتزمل (النائم)
فقد طال هذا النوم واستخرج الكرى=مساويَهم لو كان ذا الميل يُعدَل
وانظروا لهذا الوهج العصري/ الأزلي وهو
يطالب بتطبيق الشريعة وأن لا تستمر احكام القرآن معطلة:
وعُطِّلت الحكام حتى كأننا=على ملة غير التي نتنحل!
كلامُ النبيين الهداة كلامنا=وأفعال أهل الجاهلية نفعل
رضينا بدنيا لا نريد فراقها=على أننا فيها نموت ونُقتَل
ونحن بها مستمسكون كانها=لنا جُنّةٌ مما نخاف ومعقل
أرانا على حب الحياة وطولها=يُجَدّ بنا في كل يوم ونَهزل!!
....
فيا ساسةً هاتوا لنا من حديثكم=ففيكم لعمري ذو أفانين مقول
أأهلُ كتابٍ نحن فيه وانتم=على الحق نقضي بالكتاب ونعدلُ!!
واستمع لهذه الصرخة الرسالية المدويّة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

والتي تصلح لكل زمان ومكان

وكأنها صرخات الشيخ عيسى قاسم كل يوم جمعة:
أنُصلحُ دنيانا جميعاً وديننا=على ما به ضاع السوام المُؤبّل (الإبل المهمَلة)
بُرينا كبري القدح (الغصن) أوهن متنه=من القوم لا شارٍ ولا متنبل (مصنوع نبلاً)
.......
كانّ كتابَ الله يُعنى بأمره=وبالنهي فيه الكودني المُركّل (البليد يطيع بالركل)
ألم يتدبرْ آيةً فتدلُّه=على ترك ما يأتي أم القلب مقفل
أتصور هشام وقد قرأت عليه جوارية قصائد الكميت وفيها هذا
التعريض الصريح والدامغ ببني أمية لتتخيل مدى حنق هشام حين أصدر "فتوى إهدار الدم" خخخ حيث اشتد غيظه، فكتب الى خالد يأمره أن يقطع يدي الكميت ورجليه، ويضرب عنقه، ويهدم داره، ويصلبه على ترابها
فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم=فحتامَ حتام العناءُ المطوّل
رضوا بفعال السوء من امر دينهم=فقد أيتموا طوراً عداءً وأثكلوا
كما رضيت بخلاً وسوء ولايةٍ=لكلبتها في اول الدهر "حومل"
نباحاً إذا ما الليل أظلم دونها=وضرباً وتجويعاً خبالٌ مخبّل
لقد شبه سوء إدارة موارد الدولة وتسببها للفقر المقذع للشعب المسلم في عهد بني أمية بقصة عجيبة غريبة من تاريخ العرب وهي أن
امرأة عربية بخيلة اسمها "حومل" أجاعت كلبتها التي تحرسها ليلاً ثم لا تطعمها النهار بل ترسلها قائلة: التمسي لنفسك لا ملتمس لك. فلما طال الجوع بالكلبة اضطرت أن تأكل ذنبها!!
لهم كل عامٍ بدعةٌ يحدثونها=أزلوا بها أتباعهم ثم أوجلوا
كما ابتدع الرهبان ما لم يجئ به=كتابٌ ولا وحي من الله منزل
تحل دماء المسلمين لديهمُ=ويُحرم طلع النخلة المتهدل!!
وليس لنا في الفيء حظٌ لديهم=وليس لنا في رحلة الناس أرحُل
قيا رب هل إلا بك النصر يُرتجى=عليهم وهل إلا عليك المعوّل
والآن تشعر بالحرقة أكثر حينما يعرج
بالحديث عن أبي عبد الله الحسين عبرة كل موالي:
يُجلِّئن عن ماء الفرات وظلِّه=حسيناً ولم يُشهَر عليهنّ منصل
كان حسيناً والبهاليل (المبتسمين) حوله=لأسيافهم ما يختلي المتبقلُ
يخضن به من آل أحمد في الوغى=دماً ظل منهم كالبهيم المحجّل
وغاب نبي الله عنهم وفقده=على الناس رزؤ ما هنال مجلل
فلم أرَ مخذولاً أجلَّ مصيبةً=واوجب منه نصرةً حين يُخذل
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم=فيا آخراً أسدى له الغي أول
عند هذه الأبيات رفع الإمام جعفر الصادق(رض) يديه وقال: ((اللهم اغفر للكميت ماقدم وأخر، وما أسر وأعلن، واعطه حتى يرضى)). ثماعطاه الف دينار وكسوة، فقال له الكميت: واللّه ما أحببتكم للدنيا ولو أردتها لأتيت من هي في يديه، ولكنني أحببتكمللاخرة، فأما الثياب التي أصابت أجسادكم فإني أقبلها
لبركتها، وأما المال فلا أقبله.
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم=فيا آخراً أسدى له الغي أول
تهافت "ذبان" المطامع حوله=فريقان شتى: ذو سلاحٍ، وأعزل
إذا شرعت فيه الأسنةُ كبّرتْ=غواتُهم من كل اوبٍ وهللوا!!
فما ظفِر المُجرى إليهم (بني امية) برأسه=ولا عُذل الباكي عليه المولول
إلى آخر القصيدة.. فكلها عصماء
بالنسبة للهجاء :
وكان الشاعر حكيم الأعور يهاجي الكميت وقومه ويرضي بني أمية في التعرض حتى لأهل البيت عليهم السلام بأغلظ وأكذب وأسفه القول وكان بدمشق، ثم انتقل الى الكوفة. وقد جاء رجل الى عبداللّه بن جعفر، فقال له: ياابن رسول اللّه هذا حكيم الاعور ينشد الناس هجاءكم بالكوفة؟.
فقال: هل حفظت شيئا؟.
قال: نعم وانشد:
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة=ولم نر مهديا على الجذع يُصلب
وقستم بعثمان عليا سفاهة =وعثمان خير من علي وأطيب
فرفع عبد اللّه يديه الى السماء وهما تنتفضان رعدة، فقال:
اللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا، فخرج حكيم من الكوفة فافترسه الاسد.