أخيرا خرجنا من العصر الأموي المظلم
ولكننا
دخلنا في عصر أظلم منه بدليل قول الشاعر:
والله ما فعلت اميةُ فيهم=معشار ما فعلو بني العباس
جمع عصر بني أمية التناقض والنقائض الشعرية.
وجمع عصر بني العباس النقائض والتناقضات العملية.
فقد كثر اللهو من ناحية كما تفتحت المعاقل الشعبية للزهد من ناحية أخرى (لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة ومضاد له في الاتجاه)
لقد امن العقوبة من أساء الدب وقد
امتلأ بالرعب من أحسن الأدب.
فجور متطرف حتى دخل عالمه الغلمان ونافس فيه الجواري!. ومن جهة أخرى عزوف متطرف عن الدنيا لدى آخرين.
ترف هائل لأفراد يملكون بيوتاً وقصوراً بحجم الكيلومترات
وفقراء يسكنون أعشاشاً لا تتعدى المئات من السنتيمترات! (تذكرني ببلد يملك فيها البعض عقارات بالكيلومترات ولا يملك فيها مواطنون أرضاً بمساحة أمتار مربعة!)

رضا فاحش من اناس وغضب هائل من آخرين.
حركة سياسية تقوم بحجة محبة أهل البيت هي أكثر من يقوم نظرياً وعملياً بتهميشهم وتصفيتهم! والقضاء عليهم!!.
عاد فيه الأبرياء لعصر الاختفاء،
يحكم على دعبل بالقتل أكثر من 10 من أولي الأمر
لأنه دافع عن أهل البيت وهجى أعدائهم، فيُهمل دعبل حتى شعرياً ويعد عن بعض كتاب السلاطين من (الصعاليك)!
آثرت أن أفتح كثير من الكتب لأتحدث عمن شاء كثير من الكتاب نسينهم كالكميت ودعبل بغضاً لمذهبهم الشريف.
كان دعبل فقيراً بحيث أنه لا يملك إزاراً يستر جسده بل يشترك مع آخر في ملكية هذا الإزار. (يذكرني هذا بحكم المقبور صدام حيث جاءتني آنذاك وأنا بحرم الإمام الحسين بنت عراقية رثة الثياب ويظهر منها أنها من بنات أشراف

وقالت لي: يا زاير الحسين، يشهد الله أنني أشترك مع أهلي في "عباية" لا تخرج من البيت منا إلا واحدة بسبب هذا المر وإني لا أريد منك مالاً ولا طعاماً فاسترنا سترك الله في الآخرة.)
طلبه مع ذلك الحكام وحاول الفرار منهم، بدأه الرشيد بالعطية، كما أكرمه الخلفاء والولاة الآخرون،
من لا يعرف عقلية الإنسان الرسالي يستغرب من دعبل ويحمله على اللؤم لأنه يذم حتى من وهبه العطيات!
إن دعبل لا يقبل لإباء نفسه ان يُشرى بالمال فكان إذا مدح اهل البيت مدحهم بحرقة وصدق فلا يترك من أهل الرض من أعدائهم كائناً من كان مهما فعل هذا الشخص في حقه. عندما يدخل عالم أهل البيت يحرق كل شيء ما عداهم.
إنه إن اضطر لمدحٍ من جهة أنه شعر التكسب فلا يعده قيداً له فلعله إن لم يحصل على ما يرتضيه من أجر ذلك الشعر يعود لمادحه فيهجوه!.ولعله يخجل ممن يمده بالعطيات فيهجره حتى كأنه أبغضه فغن عوتب يجيب كما تجد في أكثر من موقف ومورد مثل قوله ص203:
هجرتك لم أهجرك من كفر نعمةٍ=وهل يُرتجى نيلُ الزيادةِ بالكفرِ
ولكنني لما أتيتك زائراً=وأفرطتَ في بري عجزتُ عن الشكرِ
فمِ الآن لا آتيك إلا مسلماً=أزورك في الشهرين يوماً وفي الشهر
فإن زدت في بري تزيّدتُ جفوةً=ولم تلقني طول الحياة إلى الحشرِ
وكذلك قوله لقريب له (المطلب بن عبد الله الخزاعي) ص217:
زمني بـ(مطّلب) سُقيتُ زمانا=ما كنتَ إلا روضةً وجِنانا
كلُّ الندى إلا نداك تكلُّفٌ=لم أرضَ غيرك كائناً من كانا
أصلحتني بالبر بل أفسدتني=وتركتني اتسخّطُ الإحسانا
إنه يكره البخل ولإن
كتب هجاءً في حكام عصره فقد قام بالهجاء الاجتماعي أعني به الصفات الذميمة من قبيل هذه الخصلة الذميمة (البخل ونحو ذلك)
أكثر ما أضحكني من نوادر دعبل أن صديقاً له زاره فشاهد اوراقاً فيها عدة قصائد او أبيات من الهجاء المر فقال له: لم أر هذه الأبيات من قبل. (وذلك لأن هجاء دعبل ينطلق من فمه فينتشر في الخافقين

)
فقال دعبل: هذه الأبيات أنتظر صاحبها لحملها عليه.. يعني ينتظر أن تجري الحوادث فيلبسها من يستحقها
ومن نوادره أنه عاتبه رجل على ذمه فقال له ما مضمونه: أعذرني فإن الأبيات جرت بنفسها على هذا النحو
أبيات دعبل مشردة مثلما كان نفسه مشرداً، وقد كان ينفي بعضها حتى لا يقتل بسببها كما سترى في ذم أعداء أهل البيت، رغم أنه كتب ديواناً في حياته غلا ان الرقابة عليه جعلته يتحرج من نشرها وبالتالي فقد ضاعت، لقد تشرد دعبل وتشرد شعره في "دواوين" البعض وفي نوادر الكتاب و في "نهاية الإرب" و "الغاني" و طبقات الشعراء" و"تراجم الشعراء" و "ديوان المعاني" و "شذرات الذهب" و "شرح المقامات" و..إلخ

حتى أن بعض أشعارة نسبت لكثر من رجل و استخدمت في أكثر من رجل!!.. وكذلك فإن بعض أبياته لها روايات كثيرة!. فعندما تتصفح ديوانه الآخر الذي جمع من الشتات حيث أمهات الكتب ترى أنه قسِّم لقسمين: الأول حتى صفحة 187 وهو ماتحقق نسبته إلى دعبل والباقي مما نسب له مع آخرين.