لقد كان المتنبي معجباً حقاً بسيف الدولة وبينهما تقارب كثير وتشابه كبير، لذا كانت مدائحة تنم عن وهج قوي وصارخ ولم يكن فيها ما كان في قصائده للأخشيدي من استنقاص مبطن خخخ حتى قال له أنه يضحك إنذا رآه وما ذلك في عرف شعراء زمانه إلا أنه يعتبر الأخشيدي قرداً أو مهرجاً هههه وقد واجهه بذلك أحد محبيه بالأمر فتبسم موافقاً..
فلنعد للذكريات حيث مدائحه للمتنبي:
رفعت بك العرب العماد وصسّرتْ=قمم الملوكِ مواقد النيرانِ
أنساب فخرهم إليك وإنما=أنساب أصلهمُ إلى عدنانِ
إنما هجر سيف الدولة لأنه يريد أن يعزز كبرياءه وأنه يمكن أن يحصل على حظ وافر بدون سيف الدولة.. و تأثر سيف الدولة لرحيله وكان المتنبي يحن لسيف الدولة وكان وهو يمدح كافور الأخشيده كأنه يريد ان يغيظ سيف الدولة الذي لم يحظ لديه بمراده.
لما هرب المتنبي من كافور وهجاه مضي دوي هجائه قطاراً انطلق بعنف سنة 350هـ ولما يتوقف بعد.
وصل إلى الكوفة واشترك مع أهلها في رد هجمات القرامطة وهذا دليل آخر على أنه لم يكن قرمطياً.
توجه سنة 351هـ إلى بغداد وهناك رفض مدح البويهيين فأغروا به شعراءهم كـ"الحاتمي" و "ابن سكرة" لكنه لم يرد عليهم استخفافاً بهم!.. ولما سئل عن ذلك قال:
أفي كل يوم تحت ضيني شويعرٌ=ضعيفٌ يقاويني قصيرٌ يطاولُ!
وعاد مرة أخرى للكوفة ليجد في انتظاره رسول سيف الدولة وهداياه يطلب منه العودة الحثيثة إلى حلب.. كانت نفس المتنبي كبيرة فقد فرح بذلك غير أنه أبت عليه نفسه الاستجابة فقال:
كلما رحّبت بنا الروضُ قلنا:=حلبٌ قصدنا وأنت السبيلُ
وتوفت من كان يرغب الزواج بها.. اعني ست الناس خولة أخت سيف الدولة و كانت قصيدة من اجمل القصائد:
يا أخت خير أخٍ، يا بنت خير أبٍ،=كناية بهما عن أشرف النسبِ
وكأنما شعور سيف الدولة بالذنب تجاه المتنبي و عرف كيف خسر سنداً وركناً وأن الوشاة قد حجزوا بينه وبين المتنبي أرسل له مرة أخرى هدايا وكتاباً بخط يده يستدعيه.. فرد المتنبي مؤملاً بالطاعة قائلاً:
فهمتُ الكتابَ أبرَّ الكتبْ=فسمعاً لأمر أمير العربْ
وما عاقني غير خوف الوشاة=وأن الوشايات طرق الكذب
غير أن المتنبي لم يعد!.. رغم أن خصمه اللدود أبا فراس في معتقل الروم وقد خلا له بذلك قصر الحمداني.
وتبدلت أوضاع حلب ومرض سيف الدولة مرضاً أقعده. ونشبت في وجه سيف الدولة ثورات داخلية، وغزاه الروم جيث دخلوا حلب نفسها ستة أيام متواصلة (تذكرني بحرب الأيام الستة) عاثوا فيها قتلاً و تخريباً.
التاريخ لم يعد إلى الوراء!. وقطع سيف الدولة الأمل في رؤية صديقه المتنبي واستعادة أمجاده.
أما ما كان من شأن المتنبي فإنه (كما يعبر الروائيون القدامى

)
نزل ارّجان سنة 354هـ بدعوة من ابن العميد وزير ركن الدولة عبر رسالة فيها امل وتودد ومدحه بقصيدة فيها:
عربيٌّ لسانُهُ، فلسفيٌّ=رأيهُ، فارسيّةٌ أعيادُهْ
طلبه عضد الدولة فرحل إليه بشيراز ومدحه بقصائد منها:
كلُّ جريحٍ تُرجى سلامتُهُ=إلا فؤادٌ دهته عيناها
كانت هذه آخر رحلاته. فقد عاد للكوفة وفي طريق عودته قرب بغداد ترصّد له مقاتلون إرهابيون من تنظيم القاعدة حيث كان معه بعض أساتذة جامعة الموصول

أمزح
في طريقه هاجمه (فاتك بن جهل الأسدي) في سبعين رجلاً.
قاتل الشاعر المتنبي ومن معه ببطولة خارقة. غير أنه سقط مع ابنه محسِّد وغلامه.
وكان ذلك بمؤامرة من الوزير المهبلي (البهائيون الذين رفض المتنبي مدحهم) وذلك لكي يمنع علاقته المصيرية مع الكوفة وبغداد وسواهما.
وهكذا مات المتنبي سنة 965م ذلك العبقري الذي ضنّ عليه الدهر بولاية في حياته غير أنه نصبه على الأمصار والأقطار بعد وفاته حتى لقد شغل الناس.
المرات القادمة لن نترككم مع هذه النهاية التراجيدية.. سوف نطل على بعض أشعار المتنبي.. فقد أطلنا عليكم
وشكراً