نعود إلى أصل الموضوع منذ البداية، ما هي أدلة إيمان أبي طالب من القرآن؟
من ذلك قوله تعالى مخاطباً رسوله الكريم: وتَقَلُّبَكَ في الساجِدين . الشعراء / 219 حيث روى علي بن إبراهيم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: الذي يراكَ حين تقومُ * وتقلُّبَكَ في الساجدين قال: في أصلاب النبيين صلوات الله عليهم أجمعين. (تفسير القمّي 474:2) وكذلك الآية (وجَعَلَها كلمةً باقيةً في عَقبهِ) الزخرف / 28، وعن قتادة في الآية: هي شهادة أن لا إله إلا الله، والتوحيد لا يزال في ذريته ـ أي إبراهيم ). وذلك يشمل أبي طالب عليه السلام لأن الآية تقول (في الساجدين).
ومن ذلك قوله تعالى لرسول الكريم: هو الذي أيّدَكَ بنَصرِه وبالمؤمنين الانفال /63.
هذه الآية الكريمة تشمل أبا طالب، صاحب المواقف الحميدة في سبيل نصرة الإسلام والمسلمين والدفاع عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وهذه الآية دليل أيضاً على أن نُصرة أبي طالب للرسول الكريم كانت بدافع الإيمان، لا بدافع الحميّة الجاهلية، كما يقول الكفار المشركون، خاصة وأن الإسلام حارب العصبية الجاهلية. وهذا ما يذكرني بقول أبي طالب نفسه:
يـا شاهـدَ الله عـلَـيّ فاشـهـدِ=إنّي على دين النبي محمّدِ ( أحمدِ )
مَن ضلّ في الدين فإني مهتدي
وفي ذلك قال رسول الله (ص) ليثبت بذلك حسن عاقبة عمه: (يا عمّ! ربّيتَ صغيراً، وكفلت يتيماً، ونصرتَ كبيراً، فجزاك الله عنّي خيراً).
وماذا عن الأدلة على إيمان أبي طالب من السنة المطهرة؟
وقف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على قبر عمّه، وقال: أمَ واللهِ لأشفعنّ لعمّي شفاعةً يعجب بها أهلُ الثَّقَلين وسمّى عام وفاته ووفاة خديجة عليهما السّلام: « عامَ الحزن ».
هذا بعض ما ورد من سنة الرسول من خلال أحاديثه، أما عن سنته التقريرية فإننا نعرف إيمان فاطمة بنت أسد فحين نزلت الآية ( يا أيّها النبيّ إذ جاءكَ المؤمناتُ يُبايعْنَك الممتحنة / 12. دعا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم النساء إلى البيعة، فكانت هي أوّل إمراة بايعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. فلماذا أبقاها النبي تحت عصمة أبي طالب إذا كان أبو طالب كافراً؟؟؟.. هل كان النبي يحابي في دعوته!!! أم كان ذلك دليلاً على إيمانه عليه السلام.
لما توفي أبي طالب وكان عام الحزن، قال قال لابنه : ( إمضي يا علي فتول غسله وتكفينه وتحنيطه ، فإذا رفعته على سريره فأعلمني ) . ففعل ذلك ، فلما رفعه على السرير اعترضه النبي (صلى الله عليه وآله ) وقال: ( وصلتك رحم ، وجزيت خيراً يا عم ، فلقد ربيتَ وكفلتَ صغيراً ، ووازرت ونصرت كبيراً ) . ثمّ أقبل على الناس وقال : ( أنا والله لأشفعن لعمي شفاعة يعجب لها أهل الثقلين ) .
عن الإمام السبط الحسين بن عليّ عن والده أمير المؤمنين عليه السّلام، أنّه كان جالساً في الرحبة والناس حوله، فقام إليه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين! إنّك بالمكان الذي أنزلك الله، وأبوك معذّب في النار! فقال له: مَه! فَضَّ اللهُ فاك! والذي بعث محمّداً بالحقّ نبياً، لو شَفَع أبي في كلّ مُذنب على وجه الأرض لشفّعه اللهُ، أأبي معذّب في النار وابنُه قسيم الجَنّة والنار ؟! والذي بعث محمّداً بالحقّ: إنّ نور أبي طالب يوم القيامة ليُطفئ أنوار الخلائق إلاّ خمسة أنوار: نور محمّد، ونور فاطمة، ونور الحسن والحسين، ونور ولْده من الأئمّة، ألا إن نوره من نورنا، خَلَقه الله من قبل خلق آدم بألفَي عام.
- ويقول الإمام الحسن العسكري عليه السّلام: « وإنّ أبا طالب كمؤمن آل فِرعون، يكتم إيمانه ».
فإذا كان مؤمن آل فرعون قد دافع عن موسى عليه السّلام وقال رجلٌ مؤمنٌ مِن آل فرعونَ يكتُم إيمانَه أتقتُلون رجلاً أن يقولَ ربّيَ اللهُ وقد جاءكم بالبيّناتِ مِن ربِّكم وإن يَكُ كاذباً فعليه كِذبُه وإن يَكُ صادقاً يُصبْكم بعضُ الذي يَعِدُكم إنّ الله لا يهدي مَن هو مُسرِفٌ كذّاب غافر/28.
- عن الإمام الباقر عليه السّلام: ألم تعلموا أن أمير المؤمنين عليّاً عليه السّلام كان يأمر أن يحج عن عبدالله والد الرسول وآمنة والدة الرسول وأبي طالب في حياته، ثمّ أوصى في وصيته بالحج عنهم (الغدير 383:7). أقول: وغير المسلم لا يُحجّ عنه.
لكن هناك أحاديث تقول بكفر أبي طالب؟
ذكرنا ظروفها وملابساتها.. وكيف أن من كتبها ظهر من كلامه استقصاده لأبي طالب بصورة واضحة؟؟
كيف؟؟
إضافة إلى ما ذكرنا من سعي معاوية للنيل من أبي طالب من خلال دس الحاديث نورد هذه المفارقة العجيبة:
يقول الشاعر السيد أحمد خيري الحسيني:
أيمنع في الإثنين تعذيـب مـن عـدا=وكان على المختار أقسـى النـوازلِ
ويخلد في الضحضاح مَن كان حصنَه=جزاءً.. ويُلقى مهملاً في الهواملِ ؟!
وفيه إشارة إلى ماورد من تخفيف العذاب عن أبي لهب كل يوم اثنين؛ لأنه أعتق فيه جاريته ـ ثويبة ـ لما بشّرته بمولد النبيّ الكريم. انظر فتح الباري 114:9 وليت شعري، كيف يكون أبو طالب والحالة هذه أسوأ حالاً من حاتم وكسرى في حين أن لكل واحد منهما خصلة واحدة، نظير العدل والجود مثلاً، تكفل له النجاة حسب المدّعى، ولا يكون له نظير ذلك لأبي طالب، وهو الذي له الخصال الحميدة التي لا تحصى وفيها الإقرار الواضح بنبوة محمد (ص)!!؟! والقائل له:
فاصدَع بأمرِك ما عليكَ غَضاضةٌ=وابشرْ بذاك وقَرَّ منـك عُيونـا
ودعوتَني وعَلِمتُ أنّك ناصحـي=ولقد صَدَقتَ وكُنـتَ ثَـمّ أمينـا
ولعمري كيف أدخلت الهواء والسياسة أصحاب النار في الجنة وأصحاب الجنة في النار
عن أبي ليث المرادي، قال: إن أبا طالب في ضَحضاح من نار يغلي فيه دماغه، فقال الإمام الباقر عليه السّلام: كذبوا! واللهِ إن إيمان أبي طالب لو وُضع في كفّة الميزان، وإيمان هذا الخلق في كفّة ميزان أخرى، لرجح إيمانُ أبي طالب على إيمانهم.
لماذا إذن لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله؟
لأنّ صلاة الجنازة لم تكن قد فُرضت بعد، فقد سئل أبو الجهم بن حذيفة: أصلّى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على أبي طالب ؟ فقال: وأين كانت الصلاة يومئذ ؟! إنّما فُرضت بعد موته فما صلّى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عليه ولا على خديجة.
وقال اليعقوبي في تاريخه: لمّا قيل لرسول الله: إنّ أبا طالب قد مات، عظم ذلك في قلبه، واشتدّ له جَزعُه، ثمّ دخل فمسح جبينه الأيمن أربع مرات، وجبينه الأيسر ثلاث مرات، ثمّ قال: يا عمّ! ربّيتَ صغيراً، وكفلت يتيماً، ونصرتَ كبيراً، فجزاك الله عنّي خيراً.
هل ترك أبو طالب دليلاً يمكن به دحض تهمة الكفر عنه عليه السلام؟
لقد سبق في معرض حوارنا ان ذكرنا بعض الأمور ونضيف لها هنا:
- وصية أبي طالب الدالة على إيمانه.
http://www.imamreza.net/arb/imamreza.php?id=1773
- توجد دلائل منذ الجاهلية على اعتقاد أبي طالب بنبوة محمد وذلك من خلال اليهود والنصارى و الكهنة و من خلال بعض الكرامات (زيادة الخير، نبع زمزم، والتي قال أبو طالب فيها لزوجته فاطمة بنت أسد حين تدلت للرسول الشجرة ليأكل الرطب: فقال: هو إنما يكون نبياً، وأنت تلدين له وزيراً بعد يأس. راجع:
http://www.imamreza.net/arb/imamreza.php?id=1775&page=2
- ومن الكرامات الاستسقاء حيث قال أبو طالب:
وأبيض يُستسقى الغمامُ بوجههِ=ثمال اليتامى عصمةٌ للأراملِ
تلوذ به الهُلاّكُ من آل هاشـمٍ=فهم عنده في نعمة وفواضـلِ
وميزانُ صدق لا يخس شعيرةً=ووزّان حق وزنُه غير عائـلِ
وها هو يقول:
كم معجز أبصرتَه مـن أحمـدٍ=باهلـتَ فيـه معاشـرَ الحُسّـادِ
من لَصقِ أحجارٍ، ومزق صحيفةٍ=ونزولِ أمطار، ونُطـقِ جمـادِ
- وسؤاله النبي ليدعو الله له ليشفى من مرضه، فلو لم ير النبيُّ الكريم عمَّه أهلاً بأن يدعو الله له، ما دعا له، وكذلك أبو طالب لو لم يعلم أن الله يجيب دعاء ابن أخيه لما سأله.
- لصوق الحجر بكف أبي جهل حين هم أن يقذفها على الرسول.. قال حينها أبو طالب:
أفيقوا بنـي عمنـا وانتهـوا=عن الغيّ في بعض ذا المنطقِ
وإلاّ فـإنـي إذاً خـائــفٌ =بوائـقَ فـي داركـم تلتقـي
تكـون لغابـركـم عِـبـرةً=وربِّ المغـارب والمشـرقِ
كما ذاق مَن كان مِـن قبلكُـم=ثمودٌ وعـادٌ فمـاذا بَقـي ؟!
- دعوة الرسول المستجابة على عتيبة الذي كان يؤذيه: قائلاً: اللهم ابعث عليه كلباً من كلابك فقال أبو طالب لعتيبة: ما كان أغناك عن هذه الدعوة يا ابن أخي. لأن أبا طالب يعلم ما سيحل بعتيبة، لإيمانه برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأنه مستجاب الدعوة، وفعلاً فقد سافر عتيبة بعدها مع قافلة يريد الشام فعدا عليه وحش فقتله.
- وأخبر محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم عمّه أبا طالب: أن الأرضة أكلت من صحيفة قريش التي علّقوها في جوف الكعبة وقاطعوا بموجبها بني هاشم وحصروهم في شعب أبي طالب ثلاثة أعوام كلَّ قطيعة وظلم، ولم يبق فيها إلاّ اسم الله عزّوجلّ.
هل ترك أبو طالب مقالاتٍ تدل على إيمانه؟
نعم.. يقوال بأنه كتب ما يربو على ثلاثة آلاف بيت في الحديث عن الرسول والرسالة الإسلامية!.. كيف لا تشهد له بإسلامه وهو يدافع عن الإسلام رغم قوله مادحاً الرسول الكريم:
أنت النبيُّ محمّدُ=قَرم أغرُّ مُسَوَّدُ
أو قوله:
ألم تعلموا أنا وجَدْنـا محمّـداً=نبياً كموسى خط في أوّل الكتبِ
ويخاطب النجاشيَّ قائلاً:
وأنّكـمُ تتلونـه فـي كتابكُـم=بصدقِ حديثِ لا حديث الترجُّمِ
وقوله عندما سافر به للشام:
إن ابن آمنةَ النبيَّ محمّـداً=عندي يفوق منازلَ الأولادِ
لمّا تعلق بالزمام رحِمْتُـه=والعيسُ قد قلّصن بالأزوادِ
وفي خطابه للنجاشي:
فلا تجعلوا لله ندّاً وأسلموا=فإنّ طريق الحقّ ليس بمظلمِ
أتعلم مليك الحبش أن محمّـداً=نبيّاً كموسى والمسيح ابن مريمِ
.
ألم تعلموا أنَّـا وجدنـا محمّـدا= نبيّاً كموسى.. خُطّ في أوّل الكُتْبِ