دعبل و الفخر
أذكر أنني جاملت أحدهم بقصيد لا يستحقه لكنه سبق منه سوء الظن إلى سوء العذل فاتهمني أني أسأت إليه ورميته بالنفاق عندما ذكرت به مذحج، فكيف وفارسنا دعبل يفخر في قبيلته مذحج ومنهم الأزد وكندة وعلة وله الحق في ذلك كما لصاحبنا فأينه وبني مذحج الذين يقول دعبل فيهم ص69:
قومي (بنو مذحج)، و(الأزد) إخوتهم= و(آل كندة) والأحياء من (علة)
ثبت الحلوم، فإن سُلّت حفائظُهم=سلوا السيوف فأردوا كل ذي عنتِ
.
لا تعرضنّ بمزحٍ لامرء طبنٍ*=ما راضه قلبه أجراه في الشفةِ
فرب قافيةٍ بالمزح جاريةٍ=مشؤومةٍ، لم يُرد إنماؤُها نمتِ
ردّ السلى* مستتماً بعد قطعته=كرد قافيةٍ من بعد ما مضت
إني إذا قلت بيتاً مات قائله=ومن يقال له، والبيت لم يمُتِ
الطبن هو الفطن، والسلى جلدة مع الجنين إن قطعت ماتت الأم والجنين.
وفي هذه القصيدة يفخر
بالكرم:
نفسي تنافسني في كل مكرمة=إلى المعالي ولو خالفتُها أبتِ
وكم زحمتُ طريقَ الموت معترضاً=بالسيف ضيقاً، فأدّاني إلى السعة
قال العواذلُ: أودى المال، قلتُ لهم:=ما بين أجرٍ وفخرٍ لي ومحمدةِ
أفسدتَ مالك؟ـ قلت: المال يفسدني=إذا بخلتُ به، والجود مصلحتي
ما يرحل الضيف عني بعد تَكرِمَةٍ=إلا برفدٍ وتشييعٍ ومعذرةِ
أرزاق ربٍّ لأقوامٍ يقدرها=من حيث شاء فيجريهنّ في هبةِ
وفي محاورة رائعة كأن حازم التميمي أخذ منها نفسه الشعري وفيها نرى دعبل
يفخر بكرمه فيقول ص45:
قالت سلامةُ: أين المال؟؟ قلتُ لها:=المال -ويحكِ- لاقى الحمدَ فاصطحبا
الحمدُ فرّ مالي في الحقوق فما=أبقين ذمّاً ولا أبقين لي نشبا*
قالت سلامة: دع هذا اللبون=لصبيةٍ مثل أفراخ القَطا زُغُبا
قلتُ: احسبيها ففيها متعةٌ لهم=إن لم ينُخْ طارقٌ يبغي القِرى سَغِبا
لما احتبى الضيفُ واعتلّت حَلُوبتُها=بكى العيالُ، وغنّت قدرُنا طربا
هذي سبيلي، وهذا فاعلمي خُلُقِي=فارضي به أو فكوني بعضَ من غضِبا
دعبل و الهجاء
بعد الهجاء الديني يأتي الهجاء الاجتماعي وحرب دعبل لا هوادة فيها على البخل والجشع والطمع..
قال ص55 في هجاء
غسان بن عبّاد:
لَنقل الرمال وقطع الجبال=وشرب البحار التي تَصخطِبْ
وكشف الغطاء عن الجن أو=صعود السماء لمن يرتغِبْ
وإحصاء لؤم سعيدٍٍ لنا=أو الثكل في ولدٍ منتَجب
أخف على المرء في حلجةٍ=يكلِّف (غسّانها) مرتقب
له حاجبٌ دونه حاجبٌ=وحاجب حاجبه محتَجب!
وقال في
هجاء بخيلص216:
وإن هممتَ به فافتكء بخبزتهِ=فإنّ موقعها من لحمه ودمِهْ
قد كان يعجبني لو أنّ غيرتَهُ=على جَرادقِهِ كانت على حُرَمهْ!!
ودخل دعبل ضيفاً على رجل فوجد باب الكنيف (المرحاض) مغلقاً ولم ينتظر حتى يُفتَح فقال:
إنّ من ضنّ بالكنيفِ على =الضيفِ بغير الكنيف كيف يجودُ؟
ما سمعنا ولا رأينا بِحُشٍّ=قبل هذا لبابه إقليدُ
إن يكن في الكنيف شيء تخبّاه=فعندي إن شئت فيه مزيدُ!
* الحش هو موضع قضاء الحاجة والإقليد هو المفتاح
وقال في
ذم خلائق بعض الناس ص111:
ومن الناس من يحبك حباً=طاهرَ الودّ ليس بالتقصيرِ
وإذا ما خبرتَه شهد الطر=فُ على حبه بما في الضكيرِ
وإذا ما بحثتَ قلتَ: بهذا=ثقةٌ لي ورأسُ مالٍ كبيرِ
فإذا ما سألتَه "ربع فلس"=ألحق الودَّ باللطيف الخبير!
وقال في
هجاء أخيه "رزين" ص109:
مهَدتُ له ودي صغيراً ونصرتي=وقاسمته مالي وبوّأته حِجري
وقد كان يكفيه من العيش كلِّه=رجاءٌ ويأسٌ يرجعانِ إلى فقرِ
وفيه عيوبٌ ليس يُحصى عِدادُها=فأصغرُها عيباً يجِلُّ عن الفكر
ولو انني أبديتُ للناس بعضَها=لأصبح من بصقِ الحبَّةِ في بحر
فدونك عِرضي فاهج حيّاً إن أمُتْ=فأقسم إلا ما خريتَ على قبري
ويقول
فيمن يتبدل فيتغير ص109:
فتىً كنتُ أرجوه وىملُ يومَه=وأُشفقُ أن يغتاله حادثُ الدهرِ
فلمّا تبوّا منزل اليسرِ والغِنى=رمى أملي منه بقاصمةِ الظهرِِ
فيقول ص85:
كأنما نفسه من طول حيرتِها=منها على نفسه يوم الوغى رَصَدُ
قيل أنه هجا الخاركي البصري أو أبي تمام (لقد نصر أبا تمام شاعراً في هجائه دعبل) هجاءً مراً لا نذكر منه إلا بيتاً واحداً أقلّ وطأةً أنظره ص216 وهو يقول:
يشتم عِرضي عند ذكري وما=أمسى ولا أصبح من همي
قيل له: ما الوحشة عندك؟
قال: النظر إلى الناس.. ثم قال كما تجد ص85:
ما أكثر الناس! لا.. بل ما أقلّهمُ!!=الله يعلم أني لم أقل فندا
إني لأفتحُ عيني حين أفتحُها=على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا