الشيب
لقد عجِبت سلمى وذاك عجيبُ=رأت فيّ شيباً عجّلته خطوبُ
وما شيبتني كبرةٌ غير أنني=بدهرٍ به رأس الفطيم يشيب
وله أبيات أخرى ذكرتني ببيت له في رد المامون فدكاً للعلويين:
أصبح وجهُ الزمان قد ضحكا=برد مأمون هاشم فدكا
و فيها ص143:
أين الشباب وأيه سلكا=لا، أين يُطلبُ؟ ضل من هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجل=ضحك المشيبُ برأسه فبكى
قد كان يضحك في شبيبته=وأتى المشيبُ فقلّما ضحكا
.
يا سلم ما بالشيب منقصةٌ=لا (سوقةً) يبقي ولا (ملكا)
قصَر الغواية عن هوى قمرٍ=وجد السبيل إليه مشتركا
وعداً بأخرى عزّ مطلبُها=صباً يطا من دونها الحسكا
يا ليت شعري كيف نومكما=يا صاحبيّ إذا دمي سُفِكا
لا تأخذا بظلامتي أحداً=قلبي وطرفي في دمي اشتركا
هذه القصيدة الرائعة انتشرت بسرعة حتى غناها المغنون، بحيث أنه حتى الرشيد سمعها و أرسل له جائزةً بسببها وأجرى له رزقاً ولم يمنع ذلك دعبلاً من هجاء الرشيد فأعداء أهل البيت لن ينالوا مكانة عنده حتى لو كسوه بالذهب والحرير.
ويقول فيمن
طلب شفاعته فاحتاج شفيعه إلى شفيع ص131:
يا عجباً للمرتجي فضلَه=لقد رجا ما ليس بالنافعِ
جئنا به يشفع في حاجةً=فاحتاج في الإذن إلى شافعِ
وقال في
وصف البرق ص134:
ما زلتُ أكلأ برقاً في جوانبهِ=كطرفةِ العينِ يخبو ثم يختطِفُ
برقٌ تحاسَر من خفّانَ لامعه=يقضي اللبانةَ من قلبي وينصرفُ
ويتحدث عن الجن ومعاناته في الصحراءص 148مسكين عاش حياته مطارداً لا ليله ليل ولا نهاره نهار :
ودوِّيّةٍ أنضيتُ فيها مطيّتي=و جِيفاً وطرفي بالسماء موكّلُ
سمعتُ بها للجن في كل ساعةٍ=عزيفاً كأنّ القلبَ منها مُخبَّلُ
دعبل والحكمة
قال في البخل ص150 يهجو بخيلاً أقفل مرحاض بيته! (لقد فاتني أن أضع الأبيات في محله المخصص فلو نقلتموه أكون لكم شاكرا):
أتقفل مطبخاً لاشيء فيه=من الدنيا يُخافُ عليه أكل؟!
فهذا المطبخ استوثقتَ منه=فما بال (الكنيف) عليه قفل!
ولكنْ قد بخلتَ بكل شيء=فحتى (السلح) منك عليه بخلُ
وقال في
الهدايا ص150:
هدايا الناس بعضهم لبعضٍ=تولِّدُ في قلوبهم الوصالا
وتزرع في الضميرِ هوى ووداً=وتكسوهم إذا حضروا جمالا
وقال في
شوق الأحبة ص151:
ما أطيبَ العيش! فأما على=ألاّ أرى وجهك يوماً، فلا
لو أنّ يوماً منك أو ساعةً=تباع بالدنيا، إذن ما غلا
وقال في
مواساة الإخوان:
وإنّ أولى البرايا أن تواسِيَهُ=عند السرورِ الذي واساك في الحزَنِ
إن الكرامَ إذا ما أسهلوا ذكروا=من كان يألفهم في المنزل الخشِن
من إبداعاته أنه كتب أبياتً جعل خاتمة كل واحد منها كلمة الفضل وذلك ينصح فيها وزير المعتصم الفضل بن مروان بن ماسرخل ص153:
نصحتُ فأخلصتُ النصيحةَ للفضلِ=وقلتُ فسيّرتُ المقالةَ في الفضلِ
ألا إن في (الفضل بن سهلٍ) لعبرةً=إن اعتبر (الفضل بن مروان) بالفضل
وللفضل في (الفضل بن يحيى) مواعظٌ=إن اتعظ الفضل بن مروان بالفضل
وفي (ابن الربيع الفضل) للفضل زاجرٌ=إن ازردجر الفضل بن مروان بالفضل
.
إذا ذكروا يوماً وقد صرتَ رابعاً=ذُكرتَ بقدر السعي منك إلى الفضل
فأبقِ جميلاً من حديثٍ تفُزْ به=ولا تدَعِ افحسانَ والخذ بالفضلِ
فإنك قد أصبحتَ للملك قيِّماً=وصرت مكان (الفضل) و(الفضل) و(الفضل)
ولم أر أبياتاً من الشعر قبلها=جميع قوافيها على الفضل والفضل
وليس لها عيبٌ إذا هي أُنشِدت=سوى أن نصحي الفضلَ كان من الفضلِ
فلنختتم مختاراتنا في بعض ما قاله في أهل البيت عليهم السلام فهاهو يقول ص152 بما يعذب ان تكون جلوة:
شفيعي في القيامة عند ربي=محمد والوصي مع البتولِ
وسبطا أحمدٍ، وبنو بنيه=أولئك سادتي آلُ الرسولِ
سوف نختتم في حلقة قادمة سيرة دعبل بالحديث عما جرى عليه رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه ورزقنا الله شفاعته.