من خلال مطالعتي لبعض الكتب منها ديوان دعبل والمقدمة التي كتبت في سيرة حياته، ومن خلال كتاب المحرقي (قتل الشعراء) أحببت أن أطل على آخر حلقة من سيرة دعبل.
طبعاً لقد هجا دعبل
الأمين.
ثم كانت أجمل أيامه التي لم يرها بعد! هي سحابة صيف قصيرة استظل بظلها وقتاً قصيراً بعد الميثاق.. عفواً

.. بعد المبايعة الصورية التي عقدها المامون.
فلما قتل
المأمون الضي لا امان له أخاه الأمين الذي لا أمانة له كان أنصار المين يبايعون
إبراهيم بن المهدي الذي لم يعرف الهداية كانت شرارة هجاء دعبل تفري لحمه المتخم بالولائم الولي أمرية الرشيدة!.
وبالطبع لم ينس دعبل هجاء والدهم
هارون الرشيد.
فلما غدر المامون كان دعبل على استعداد لأن يسيل غدران بحور هجائه المر.

فلما أهدر المأمون دمه وحاول اغتياله انطلقت رحلة دعبل إلى "الشتات" ولكن ليهرب بدينه، و تتجدد المعاناة التي كان يعيشها الشعراء الصعاليك لكن مع فارق وهو (أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)! لتعود الجاهلية بأقبح صورها و ليلاحق فرعون موسى وهو يقول (ذروني أقتل موسة وليدع ربه) ليتم تعريف موسى (ع) بأنه الشاق عصا الأمة وليسمى دعبل بالصعلوك من قبل أقلام أموية ناصبة يخرج للصحراء وحيداً يسامر عزيف الجز كما أسلفنا

وكما تقول الآية عن موسى (فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين).
وجاء
المعتصم ليأخذ وجبته من هجاء دعبل، وليجدد وثيقة الحصار يعلقها على مراسيم قصره المنيف، و ليعتصر دعبل من جديد رحلة الخوف إلى مصر ثم المغرب حيث يقول: (لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي ادور على من يصلبني عليها) ولم يكن دعبل ليغيّر موقفه وهو يؤمن بالعلويين أهل المدح ويكفر بالعباسيين أهل الهجاء وهو يرى وجوه المقارنة بينهما. ولما انتهت الخمسون سنة بل تجاوزها ليبلغ عمره التاسعة والسبعين، كان رجلاً مسناً يشهد زمن موت المعتصم.
ولما رثاه محمد الزيات (أبو الزيت

) عارضه دعبل بقوله:
(قد قلتُ إذ غيّبوه وانصرفوا)=في شر قبرٍ لشر مدفون
إذهب إلى النار والعذاب فما=خلتك إلا من الشياطينِ
مازلت حتى عقدت بيعة من=أضر بالمسلمين والدينِ
وجاء
الواثق الذي لم يكن واثقاً من الوصول والصعود على منبر رسول الله ينزو عليه كما تنزو القردة والخنازير كما هي رؤية رسول الله (ص) في المنام والتي أخبر بها عمه العباس بن عبد المطلب. وكانت تهنئة دعبل له هي الهجاء واستلم الواثق قصاصة الهجاء ليرفقها بمرسوم الاغتيال فيفر دعبل منه حتى مات سنة 232هـ.
هل تنفّس دعبل الصعداء وقد جاء
المتوكل ووجب على دعبل ان يعطيه نصيبه من الهجاء!.
ممن هجاهم دعبل من غير الخلفاء
أحد قواد الرشيد وهو مالك بن طوق التغلبي بشعر مولغ في السخرية فهو أستاذ أحمد مطر مع مزيد من الفلفل في شعر دعبل فهو يقول:
سألت عنكم يا بني مالك=في نازح الأرضين والدانية
طراً فلم تُعرف لكم نسبةٌ=حتى إذا قلت بني الـ.........
قالوا: فدع داراً على يمنةٍ=وتلكها دارهم ثانية
فأراد القبض عليه ففر إلى البصرة، ولكن والي البصرة إسحاق العباسي قبض عليه وجاء له بالمبضع وهو الجلد الذي يقتل فوقه الناس..

فلما واجهوه بالأبيات انكرها دعبل وادعى أنه لم يقلها وأنها نسبت إليه من قبل أحد أعدائه وهو الشاعر أبو سعيد المخزومي.
وكان لدى إسحق أمل أن يعترف دعبل بالتهمة تحت وطأة السياط والعصي والمقارع على ما هو عليه من كبر السن حيث تجاوز الـ 98 عاماً

فيحول عقوبته من الجلد إلى القتل لكن دعبلاً صمد بكل جلد وصبر وأصر على موقفه من الإنكار حتى يئس إسحاق، فلما شفى حقده توقف عن تعذيبه وهو يظن أنه لن يتحمل بل سيموت.
فلما أطلق سراحه فر دعبل إلى الأهواز بإيران ليكون إمام جماعتها.
غير أن مالك أسف على عدم قتل دعبل فبعث له أحد المرتزقه باع ضميره بعشرة آلاف درهم وجطفق هذا الحقير إلى قرية (الطيب) بالأهواز فاغتاله بأن ضرب ظهر قدمه بعكاز به حربة مسمومة بعد صلاة العشاء فمات في فجر اليوم الثاني عام 246 هـ
وقد رثا البحتري صديقه دعبلاً وأبي تمام (حبيب) فقال:
قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي=مثوى (حبيب) يوم مات و (دعبلِ)
أخويَّ لا تزلِ السماء مخيلةٌ=تغشاكما بسماء مزنٍ مسبلِ
جدثٌ على (الأهواز) يبعد دونه=مسرى النعي ورمة بـ(الموصل)