شكراً لك اخي لازورد..
لقد دخلت في أمر لا احب غير أن أحاول أن أتمه.
لازلت أتمنى ان تطل علينا بمأساة نازك الملائكة. و مأساة ابن الرومي فتحت ذاكرتي على هذا الباب.
إن قلبي لروبة! واخشى ان يقودني ابن الرومي غلى السام والملل والتشاؤم. لذا سأعبر سريعاً وأفر بجلدي منه.
من خلال كتاب (أثر التشاؤوم في شعر ابن الرومي/ رؤية نقدية تحليلية للدكتور صالح حسن البطي) وسلسلة أمراء الشعر العربي. وكتاب قتل الشعراء لعلي المحرقي.
طبعاً ابن الرومي لم يحظ تقديره المناسب لأمور هي من نفس نسيج ما ذكرناه مسبقاً فهو ليس بالمداح الذي تنقل الحكومات والحكام مدائحه وتنشرها! كما انه متشائم والناس لا يتناقلون شعر التشاؤم ولا يحبون مقاربة المتشائمين.
بل إن ابن الرومي كان ممن يُخشى التقرب منه لسرعة تقلب مزاجه و لشراسة هجائه. ثم إنه لا يحابي أحداً بل إنه صريح جريء..
اطلاعه على ثقافة الروم بحسب نسبه أتاح له التفوق في شعره من جهة المعاني والمضامين والدلالات لكنه لم يمتلك بشعره البساتين كصديقه البحتري بمنبج أو يكون ذا بريق ومهابة كصديقه المتنبي.
تصوروا دعبلاً وهو يهجو ابن عمران يكتب بيتاً ثم يضع بيتا ابن الرومي ظهراً يحمل ما بقلبه من أقسى هجاء!:
أتيتُ ابن عمران في حاجةٍ=خُويّنة الخطب فالتاثها*
تظل جيادي على بابه=تروث وتأكل أرواثها
غوارث تشكو إليّ الخلا=أطال ابن عمران إغراثها*
التاث: اختلط و الغرث هو الجوع.
إن تشيع ابن الرومي ليس له علاقة بالتشاؤم واليأس والحزن السلبي كما يدعي الدكتور صالح حسن البطي) ولا غضبته لله بسبب ما جرى على الحسين وما كان يجري من مآس فظيعة في حق أهل البيت عليهم السلام.. وإلا فلماذا لم يعش حالة مماثلة كل هؤلاء النوابغ من شعراء الشيعة وأدبائهم.. بل لقد رشّد بحسب ما استقوه من أهل البيت مسيرتهم و قوّم مشاربهم ودعّم إباءهم ورفضهم للظلم.
إنه استعداد في نفس ابن الرومي غذته دوافعه الشخصية وعناصره الذاتية وغلا فقد كان أنصار الحسين انفسهم يضحون بهجةً ويتسامرون فرحين..
لقد فجع ابن الرومي بكل أسرته: بنيه الثلاثة جميعهم وبدون علل طبية واضحة! و زوجته وخالته وخاله وأمه وأخيه. ودخله التطير من أوسع أبوابه (فكان يحبس نفسه وأسرته بالبيت أياماً حتى ياد يفضي بهم الأمر للتلف جوعاً وعطشاً.. حتى صار "الرابط العجيب" للآخرين ليتطيروا ويتشاءموا منه!) دلالة على اختلال أعصابه زاده في ذلك تناقضات العصر العباسي الذي لم يحتضن هذه الكفاءة النادرة.
كان ابن الرومي مسحوق الإرادة نهماً بالمأكول والمشروب لحد الاعتلال والمرض وقد أصيب بالتسمم وقيل أنه السكري وكان مغرقاً في الشهوات لحد التداعي، بارع في المواهب النظرية، وكان شعره تصويري مذهل، مبدع في تصوير الجمال الأنثوي والكوني وفي الرثاء والتامل والهجاء على السواء لكنه بليدٌ في المهارات العملية وفي تسويق مهاراته.. ولذا فهو نادر في مدائحه لا يميل للمبالغة.
غلط الطبيبُ عليّ غلطةَ موردِ=عجزت محالتُه عن الإصدارِ
والناس يلْحون الطبيب وإنما=خطأ الطبيب إصابةُ المقدارِ