خُويّنة الخطب فالتاثهـا/ قصدي هويّنة الخطب
إذا كانوا يقولون بأن الطريق إلى قلب الرجل معدته فإني أقول بأن الطريق إلى قلوب الحكام عملة ذات وجهين: الإضحاك والمدح وهذا ما افتقده ابن الرومي.
إضافة إلى ذلك جريمته التي لا تغتفر (كونه شيعياً) فهو معتز بأهل البيت..
انظره وهو يمدح بن سهل النوبختي بما هما فيه مشتركان في محبة أهل البيت عليهم السلام:
ويدمج أسباب المودة بيننا=مودتنا الأبرارَ من آل هاشمِ
وإخلاصنا التوحيد لله وحده=وتذبيبنا عن دينه في المقاومِ
بمعرفةٍ لا يقرع الشكُّ بابها=ولا طعنُ ذي طعنٍ عليها بهاجمِ
وإعمالنا التفكير في كل شبهةٍ=بها عجمةٌ تعيي دهاة التراجمِ
يبيتُ كلانا في رضا الله ماخضاً=لحجته صدراً كثير الهماهم
إنه ليس كغسّان حكم أمير الشعراء في قناة أبو ظبي

الذي يمدح وهو يقول بأني لا أمدح و لا أحب المدح

والمداحين.. انظره يقول:
قيل لي: لمْ ذممتَ كلَّ البرايا=وهجوت الأنامَ هجواً قبيحا؟
قلت: هب أنني كذبتُ عليهم=فأروني من يستحق المديحا؟
وها هو
يهجو الزمان:
دهرٌ علا قدرُ الوضيع به!=وهوى الشريفُ!! يحطُّه شَرَفُه!!!
كالبحر يرسب فيه لؤلؤُه=سِفلاً وتطفو فوقه جِيَفُه
ومن دلائل إحباطه وتشاؤمه:
مالي أسلّ من القراب وأُغمدُ=لم لا أجرِّدُ والسيوفُ تُجرَّدُ
لم لا اجرب في الضرائب مرةً؟=يا للرجال.. وإنني لمهند
لم لا أحلى حليةً أنا أهلُها=فيُزان بي بطلٌ ويُكفى مشهدُ
ويتحدث عن حظه مع الأصدقاء:
أحمد الله ما وردتُ من الإخوا=ن غير المكدِّرِ المطروقِ
ويقول عن أحد أصدقائه:
أجزاء الصديق إبطاؤه العشوةَ=حتى يظل كالعشواءِ؟
تاركاً سعيه اتكالاً على سعيك=دون الصحاب والشفعاء
كالذي غرّه السراب بما خيّل=حتى هراقَ ما في السقاء
وقوله:
ولي أصدقاءٌ كثيو السلا=م عليّ وما فيهمُ نافعُ
أولئك لا حيُّهم مؤنسٌ=صديقاً، ولا مَيتُهم فاجِعُ
ابن الرومي يذكرني بمن يطيّر به وبمن أطيّر به (المزعج) حتى نفسه

:
يا ويح من أصبح في غُمّةٍ=ليس له من كربها مخرجُ
فروحه تُزعَجُ من جسمه=وجسمُه من بيتِه يُزْعَجُ
قال في رثاء أحد أولاده:
يا غائباً عني بعيد الإيابْ=نغّصني فقدُك بردَ الشرابْ
لهفي على لبسك ثوب البلى=من قبل إخلاقك ثوب الشبابْ
في جيميته المشهوره على البحر الطويل بما ينم عن حب حقيقي للعلويين وما حل بآل البيت منذ استشهاد الإمام الحسين عليه السلام إلى استشهاد يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي:
أمامك فانظرْ أي نهجيك تنهجُ؟=طريقانِ شتى: مستقيمٌ وأعوجُ
ألا أيهذا الناس طال ضريركم=بآل رسول الله فاخشوا أو ارتجوا
أكلُّ أولنٍ للنبي محمد=قتيلٌ زكيٌّ بالدماء مضرَّجُ؟
تبيعون فيه الدينَ شرّ أئمةٍ=فلله دينُ الله قد كاد يمرَج
بني المصطفى: كم يأكل الناسُ شلوَكم؟=لبلواكم عما قليلٌ مفرِّج
أما فيهم راعٍ لحق نبيه=ولا خائف من ربه يتحرج؟
لقد عمهوا ما أنزل الله فيكم=كأن كتاب الله فيهم مُمَجمج
ألا خاب من انساه منكم نصيبه=متاعٌ من الدنيا قليلٌ و زبرج
وهو من أبرع الشعراء في
الوصف لأنه يختزن المعاني ولا يركض حول موسيقى الألفاظ زينة أشكال الكلمات:
رأيتُ الدهر يرفعُ كلَّ وغدٍ=ويُخفِضُ كلَّ ذي شِيَمٍ شريفةْ
كمثل البحر يُغرقُ كلَّ حيٍّ=ولا ينفكُّ تطفو فيه جيفة
أو الميزان يُخفضُ كلَّ وافٍ=ويرفع كل ذي زنةٍ خفيفة
وقوله في صديق:
لك مكرٌ يدبُّ في القومِ أخفى=من دبيب الغداء في الأعضاءِ
أو دبيب الملال في مستهامين=إلى غايةٍ من البغضاء
أو مسير القضاء في ظُلَم الغيب=إلى من يريده بالتواءِ
أو سرى الشيب تحت ليلِ شباب=مستجيرٍ في لمّةٍ سحماء
رحيل ابن الرومي
يقال بأن ابن الرومي توفي متأثرا من مرض السكري وذلك لقوله:
غداً ينقطعُ البولُ=ويأتي الهولُ والغولُ
ويقول عن الماء أن الماء لا ينقّع غلة المصاب بالسكر:
وأراه زائداً في حرقتي=فكأن الماء للنار الحطبٍ
ويقال بأنه مات مسموماً بواسطة القاسم بن عبيدالله أو أبوه حيث وشى به الوشاة ولم تنفع توسلات ابن الرومي ومعاذيره:
بلغ الوشاةُ عليّ حيث أرادوا=والله كائدهم بما قد كادوا
وهو الشهيدُ عليّ أني لم أقل=بعض الذي قد أبدأوا وأعادوا
وهب السعاة أتوا بحق واضحٍ=أين الكرام؟ أبدلوا أم بادوا؟!ٍ
وتكرر استعطاف ابن الرومي لما بلغه تهديد القاسم بالقتل:
أيقتلني من ليس منه ناصر=عليه وأعواني عليه مكارمُهْ
أبى ذاك أن الحكم بيني وبينه=وإن علوّ القدر فيّ يخاصمه
إذا رضي عنا السعيدي

بيرضى عنك القاسم
وزادت الاستعطافات حتى بلغت ديواناً دون أن يفيده ذلك شيئاً وابن الرومي يستصرخ حتى آخر صبابة إنسانية فيه:
غضباً ألحّ من السحاب الأسحمِ=ورضىً أعزّ من الغراب الأعصم
وتيقن ابن الرومي ألا فائدة وكأنه صبر على ذنب الكلب في داخل أنبوب حديد سنين طويلاً فلم يستقم ذلك الذنب

فحنق وقال:
يا من إذا رأته عينُ والده=بين الرجال اتقاهم بالمعاذيرِ
أقسمتُ بالله أن لو كنت لي ولداً=لما جعلتُك إلا في المطاميرٍ
وصوّب زناد بندقيته الشعرية له ولقبيلته (آل وهب):
متى (آل وهب) يرتجي الريَّ حائمٌ=إذا كنتم ملاّك سيل المحامدِ
ثم صعّد في الهجاء فرمى بندقيته و استخدم المدفع بأن ذكرهم بانهم كانوا من النصارى الذين أمر الخليفة جعفر المتوكل بان يلبسوا زيّاً يُعرفوا بع ويُعيَّروا به:
وأحييتُمُ دين الصليبِ وقمتمُ=بتشييدِ (بيعاتٍ) وهدم مساجدِ
وإبطال ما كان الخليفةُ جعفر=تخيّره زيّاً لكل معاندِ
يقال بأن القاسم قتله وليس غريباً من القاسم ذلك الذي قتلعم الخليفة من غير جريرة وبطريقة ذكية بحيث لم يعرف الخليفة بأن القاسم قام بذلك إلا بعد موت القاسم!
كما لم يكن ابن الرومي يملك وسائل الحيطة اللازمة.
وهكذا مضى إلى ربه ذلك الشاعر الحنذيذ الذي تتجاوز قصائده
المئة والمئتي بيت 
دون أن يظهر فيها الضعف

أو الفتور

.
رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته.