لازلتم مع رائد الصنعة في الشعر العربي أبو تمام... تصفييييييق
تذكروا أن حاتم الطائي وأبا تمام الطائي من قبيلة واحدة.. فما وجه المقارنة بينهما؟
يقول د. حسن صاحب موسوعة امراء الشعر العربي نقلاً عن عبد العزيز سيد الهل في كتابه (عبقرية أبي تمام):
(ولقد ذهبت طيء بالفخرين من جود حاتم وشعر أبي تمام، حتى صح ان نقول: إن جود حاتم على الناس استرده أبو تمام من الناس، بل نيف عليه وزاد،
فلم تخسر طيء ما جادت به من مال، ولكنها غنمت الحمدين، وربحت الحسنيين من جود البنان وجود البيان).
اجتمع الشعراء دعبل و ابن أبي فنن وأبو الشيص تحت القبة المعروفة بجامع بغداد كما أورد الشعر العباسي علي بن الجهم يتناشدون الشعر فلما توقفوا أبصروا أبا تمام في زي الأعراب يقول: قد سمعت إنشادكم فاسمعوا إنشادي. فأنشدهم حتى قال:
تغاير الشعرُ فيه إذْ سهرتُ له=حتى ظننتُ قوافيه ستقتتلُ
عقد أبو الشيص خنصره إعجاباً

هذا الفطحل الذي يعترف ابن الرومي و البحتري بتتلمذهما على يديه، بل قيل عن البحتري:
وأرى (البحتريّ) يسرق ما قال=(ابن اوس) في المدح والتشبيهِ
لقد عمق أبو تمام المعاني القديمة وابتكر معان جديدة لم تخطر للأوائل.
نعود إلى متفرقات
الحكمة التي أدخلها أبو تمام جميع فنونه الشعرية:
في عهد الواثق تغلّب
أبو المغيث موسى الرافعي على المتمردين القيسيين فكتب له يطلب منه معاملة الرعية بالحسنى وكان مما قال وفيه يوجه اللوم والتانيب له لقتله وصلبه 15 رجل من قيس:
لو أن أسباب العفاف بلا تقى=نفعت لقد نفعت إذن إبليسا
إنا بعثنا الشعر نحوك مفرداً=فإذا أذنت لنا بعثنا العيسا
مدائح أبي تمام ولكن أبو المغيث لم ينس ذم أبي تمام له قبل ذلك بنيف وعشرين عاماً، ووصلت لأذن أبي تمام: أأعطيه وقد هجاني، وهنا رفع أبو تمام "البروش" من "درام الصبغ الفاقع الساحر" بقصيدته حملها إليه:
كريمٌ متى أمدحه أمدحه والورى=معي. ومتى ما لمته لمته وحدي
أسربل هُجر القول من لو هجوته=إذن لهجاني عنه معروفه عندي
ما يفيد..

.. عندها رحل ثانية للعراق سنة 128هـ وانطلقت رحلة الاستجداء

فيمدح إسحاق بن إبراهيم:
قل للأمير الذي قد نال ما طلبا=ورد من سالف المعروف ما ذهبا
أدعوك دعوة مظلوم وسيلته=إن لم تكن بي رحيماً فارحم الأدبا
ما يفيد! (يمكن أبوتمام كانت ملعوزتنه الدنيا حزتها فمدح الزيات الذي كانت له خبرة عملية و أدبية بالزيت

ويكتب بعدها قصائد متتاليه لعله يرضي القاضي ابن أبي داود (القاضي كان قد نصر الزيات عليه فنال هجاء أبي تمام):
وما سافرْتُ في الآفاق إلا=ومن جدواك راحلتي وزادي
بيض الصفائح وسود الصحائف.. تالي هذي آخرتك يلبحراني!!!
علماً بأن قصائده لم تشفع له عن القاضي بل
نفعت شفاعة خالد الشيباني. ويا الله اصبغ لا تصبغ
سعدتْ غربةُ النوى بسعادِ=فهي طوعُ الاتهام والإنجادِ
بعدما أصلتِ الوشاةُ سيوفاً=قطعت فيّ وهي غير حداد
من أحاديث حين دوختها بالر=أيِ كانت ضعيفة الإسنادِ
متّن أبو تمام علاقته
بالحسن بن وهب طمعاً في أن يكون والياً كما كان شأن تلميذه المتنبي وكان نصيبهما متشابهاً
يريد أبو تمام أن يكون أمير الموصل فما كان حسب ما يروى إلا موظفاً على "بريد الموصل" هذا يذكرني بشايب أراد ان يصبح فقيهاً فانقلبت الهاء راءً فأصبح فقيرا.
ويركض أبو تمام نحو أرمينيا مادحاً
خالد بن يزيد بن مزيد، وذلك بالمزيد من شعر المدح في قصيدة من طيبات القصائد منها:
يا فرحة الثغر بالخليفة من=(يزيده) المرتضى ومن أسَدِهْ
.
ألوى كثير الأسى على سؤدد ال=عيش قليل الأسى على رغده
قريحة العقل من معاقلهِ=والصبر في النائبات من عدده
على أن أبا تمام لا ينحني كغيره ولو كان ذلك لالتقاط جائزته (ألف دينار) وهذا ما احنق عليه في فترة من الفترات أمير خراسان ابن طاهر حين امتدحه قائلاً:
وقلقلُ نايٍ من خراسان جاشها=فقلتُ اطمئنّي أنضرُ الروضِ عازِبُهْ
وركبٌ كأطراف الأسنّة عرسوا=على مثلها والليل تبدو غياهبُه
لأمر عليكم ان تتم صدوره=وليس عليكم أن تتم عواقبه
فهل كان يحفظ وجهه ومكانة الشعر فلا يلام وهو القائل:
فأين قصائد لي فيك تأبى=وتأسف أن أهان وان أذالا
تصوروا القائد العباسي أبا دلف العجلي وهو يتمنى لو أن قصيدة رثائية لأبي تمام قد قيلت فيه! .. يعني القصيدة التي مطلعها:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح المرُ=فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ
انته بس موت وما يصير خاطرك إلا طيّب..خخخخخ

زطفق أبو تمام يقول: بل أفدي المير بنفسي وأهلي وأكون المقدّم قبله..
أنا ما أقدر على هلشلخ..
يقول له أبو دلف: ادلف.. عفواً.. يقول له: إنه لم يمت من رثي بهذا الشعر.
كان قد ألقى في مدحه قصيدة بائية حصل بها على 50000 درهم ولما استمر في قصيدته صرخ أبو دلف:
يا معشر ربيعة! ما مُدِحتم بمثل هذا قط فما عندكم لقائله؟ فما كان من القوم إلا ان بادروه بمطارفهم وعمائمهم يرمون بها إليه فقال أبو دلف: قد قبلها واعاركم لبسها وسأنوب في ثوابه عنكم..
تعال يا أبو تمام ويش مسوي وقايل خبصت عقل الزلمة؟؟
إذا افتخرت يوماً تميمٌ بقوسها=وزادت على ما وطّدت من مناقبِ
فأنتم بـ(ذي قار) أمالت سيوفكم=عروش الذين استرهنوا قوس حاجبِ
محاسن أقوامٍ إذا يقرنوا بها=محاسن أقوام تكن كالمعائبِ
مكارم لجّت من علوٍّ كأنما=تحاول ثأراً عند بعض الكواكب
دوخه لو لا..
بعدها أكمل أبو تمام القصيدة و تحدث عن غلبته لـ"الأفشين".. (تعرفون ان الحكام إذا قوي قائد لهم شكّوا في أمره وخافوه قضوا عليه

) ما نبغي نطوّل عليكم اقرأوا القصيدة من الديوان.
أين شعرك في أهل البيت هل شككت في بركة نوالهم في الدنيا ام غربت عن عظم نوالهم في الآخرة! 

إذن إذهب إلى محمد بن حسان الظبي لتقول عنه:
مازال يهذي بالمكارم والعلا=حتى ظننا أنه محموم
التحديث والتلاعب بمعاني المفردات العطاء ليس بمعنى مفرد العطية بل بمعنى (الراتب)
وزوارُه للعطايا حضورٌ=كان حضورهم للعطاءِ
فاصطفاف الناس يشبه ازدحامهم آخر الشهر لاستلام مرتباتهم!
هجوته بمعنى امتهنته ،
الهجاء بمعنى القراءة وليس الذم فهو يهجو عقبة بن أبي عاصم بطريقة فيها تورية لكن المعنى إنني لما غضبت على الشهر امتهنته وجعلته كساءً لك يا عقبه:
لما غضبت على القريض هجوته=وجعلت حلّته هجاء هجائي
لقد قصد اقتناص الغريب وتورية المعنى وفي شعر أبي تمام ملامح للشعر الحديث. وقد أجاد في البديع فانظر
بماذا يصف "القلم"؟
لعابه عللٌ، والصدر ينفثها،=وربما كان فيه النفع للعللِ
وقد يكرر المفردة ليعطي كل مرة لها قصداً مختلفاً كما يفعل هنا مع
كلمتي البيض & الحجب:
بيضٌ إذا انتُضيت من حجبها، رجعت=أحقُّ بالبيض أبداناً من الحجبِ
البيض الأولى: للسيف والحجب الأولى: لأغماد السيف.
البيض الثانية: سبايا الروم والحجب الثانية: ما تحجب وراءه المرأة.
وكما
يكرر كلمة العهد ثلاثاً يقصد بها: الود & الوفاء & المطر:
ليالينا بالرقتين واهلها=سقى العهدَ منك العهدُ والعهدُ والعهدُ
فاستخدم التورية و استخدم الجناس في بيت واحد.
طولت عليكم..