أستغرب بأن يمتدح أبو تمام أهل البيت والإمام علي وهو في عهدة حاكم يبغض العلويين، بينما لا يفعل ذلك المتنبي وهو في عهدة الحاكم الشيعي سيف الدولة الحمداني!. السالفة فيها سر؟.
اليوم أبو تمام
يمدح آل بيت رسول الله (ص) في قصيدة مكونة من 73 بيتاً منها:
فعلتم بأبناء النبي ورهطهِ=أفاعيلَ ادناها الخيانة والغدرُ
.
أخوه إذا عُدّ الفخار وصهره=فلا مثله أخ ولا مثله صهرُ
وشُدّ به ازر النبي محمد=كما شُدّ من موسى بهارونه الزر
وما زال صبّاراً دياجيرَ غمرةٍ=يمزِّقُها عن وجهه الفتح والنصرُ
.
بأحد وبدرٍ حين ماج برجلهِ=وفرسانه أحد وماج بهم بدر
سما للمنايا الحمر حتى تكشّفت=وأسيافُه حمرٌ وإرماحه حمر
ويم الغدير استوضح الحقّ أهله=بفيحاء لا فيها حجابٌ ولا سرُّ
أقام رسول الله يدعوهم بها=ليقربهم عرفٌ وينآهم نكر
يمدّ بضبعيه ويعلم انه=وليٌّ ومولاكم فهل لكم خبر
يروح ويغدو بالبيان لمعشرٍ=يروح بهم غمرٌ ويغدو بهم غمر
فكان لهم جهرٌ بإثبات حقه=وكان بلهم في برِّهم حقه جهر
.
جعلتُ هواي الفاطميين زلفةً=إلى خالقي ما دمت او دام لي عمْر
و (كوّفني) ديني على ان منصبي=شآم، ونجري آية ذِكر النجر
وها هو يمتدح المامون ظناً منه أنه قد احسن سيرته و أنه تشيع لأهل البيت يقول فيها:
وأرى الأمور المشكلات تمزّقت=ظلماتها عن رأيك المتوقِّدِ
ووسيلتي فيها إليك طريفةٌ=شامٍ يدين بحب آل محمد
نيطت قلائد ظرفه بمحبِّرٍ=(متمشدقٍ) (متكوِّفٍ) (متبغدد)
صحيح انه لم يكن كيماوياً ولا رجل منطق و لا فيلسوفاً ولا مهندساً ولا فقيهاً ولكنه قرأ هذه العلوم والمعارف وتثقف ببعضها، يقول مادحاً ابن الهيثم:
ليزدك وجداً بالسماحة ما ترى=من كيمياء المجد تغن وتغنمِ
إن الثناء يسير عرضاً في الورى=ومحله في الطول فوق المنجمِ
و سر تفوقه في
الرثاء
أنه رثاء خالص لا يمازج به شيئاً آخر، ولذا فقد اجاد في المديح ما أجاد في الرثاء؛ يظهر فيه مدى التلاؤم والتناسب مثلاً بين فخامة الأبيات وفخامة المرثي ومدى تأثر الشاعر بالرحيل.. وها هو يقول في رثائه أحد أقاربه وهو محمد بن حميد الطاهري الطائي:
وما مات حتى مات مضرب سيفِهِ=من الضرب والعتلت عليه القنا السمرُ
غدا غدوةً والحمدُ نسجُ ردائه=فلم ينصرفْ إلا و أكفانه الجرُ
تردّى ثياب الموت حمراً فما أتى=لها الليل إلاّ وهي من سندسٍ خضر
انظر كم هي رائعة معانيه المستحدثة يرسم لك لوحةً ناطقة لاستبساله واستشهاده.. وكيف كان:
- الأجر..أكفان المرثي
- الحمد.. نسج ردائه.
ولا عجب أن يقرأها الشيخ عبد الحميد كشك وهو يصور استيسال سيد شباب أهل الجنة في كربلاء:
فتى مات بين الضربِ والطعن ميتةً=تقوم مقامَ النصر لو فاته النصرُ
وقد كان فوت الموتِ سهلاً؛ فردّه=إليه الحفاظ المر والخلُقُ الوعر
.
فتى كان عذب الروحِ لا عن غضاضةٍ=ولكنّ كبراً أن يقال به كِبر
فتى سلبته الخيلُ وهو حمى لها=وبزّته نار الحرب وهو لها جمر
وقد كانت البيض المآثيرُ في الوغى=بواتِر فهي الان من بعده تُبْر
.
وكيف احتمالي للسحابِ صنيعةً=بإسقائها قبراً وفي لحدهِ البحرُ
.
مضى طاهر الأثواب لم تبق روضةٌ=غداة ثوى إلا اشتهت انها قبر
ثوى في الثرى من كان يحيى به الثرى=ويغمرُ صرفُ الدهر نئلُه الغَمر
.
عليك سلام الله وقفاً فإنني=رأيتُ الكريمَ الحرَّ ليس له قبر
لا عجب أن يتمنى العجلي -قائد عباسي- أن يكون قد رثي بهذه الأبيات!.
نعود إلى متفرقات
الحكمة
إذا كنت سمعت أباتاً في الحكمة فتمعن فربما يكون كاتبها أبو تمام حتى لو كان يكتب مدحاً..
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ=طويت، اتاح لها لسان حسودِ
لولا اشتعالُ النار فيما جاورتْ=كامان يُعرف طيب عَرفِ العود
لولا التخوّف للعواقب لم تزل=للحاسد النعمى على المحسودِ
ويتحدث عن السفر والتنقل والتجديد فيقول:
وطول مقام المرء في الحي مخلقٌ=لديباجتيه فاغتربْ تتجددِ
فإني رأيت الشمس زيدت محبةُ=إلى الناس أنْ ليست عليهم بسرمدِ
وسوف ننتهي من ملف أبي تمام.. أو ربما من الموضوع هذا كله.. بحكمة لأبي تمام :
أولى البريّة حقاً أن تواسيَهُ=وقت السرورِ الذي وافاك في الحزَنِ
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا= من كان يألفهم في الموطن الخشنِ
طولت عليكم..