انتهى الدوام المدرسي ، و خرجت من صفي من بعـد نظرات متكررة ألقيتها على ساعــة الصف أترقب لحظة الخروج كما لو أني مسيحي يترقب لحظة بداية السنة الجديدة ، و استنتجت وقتها كـم نكره نحن كشرقيين الدراسة ، فتنهيدتي التي خرجت من بعد أن رن الجرس يخال لناظريها أن صاحبها تخلص من هم و غم .
و تذكرت حينها المظاهرة التي خرجت في الصين تطالب الحكومة بعدم تقليل مدة الحصة الدراسية لأنهم لا يجدون الوقت الكافي لتعلم ، و تذكرت ذاك الرجل الفلبيني الذي رحت أسأله عن شهاداته ، فتعجبت من ذاك التنوع في شهاداته ، فواحدة في علم النفس ، و أخرى في الفلسفة و المنطق ، و أخرى في البرمجة و الإلكترونيات ، و وجدت كم نحن نطالب بالعلم ليس لأنه علم ، بل لمجرد مقعد نرتقيه على تلك الطاولة المرموقة .
و تذكرت يوم تحدثت مع ذاك الطفل الأجنبي الذي وجدته يسمع تلك السيمفونية الرائعة لرائع بيتهوفن ، فسألته أتحب بيتهوفن ، فأجاب بكل ثقة و حزم : طبعاً ، و كأني قد أهنته بذاك السؤال ، و أعجبني طريقة كلامه و تنسيقه للعبارات ، و مدى حسن استماعه ، و عدم مقاطعته للكلام ، و هذا إن دل فهو يدل على كثرة تحدث أبوه و أمه معه ، و تذكرت أطفالنا الذين إن سألتهم عن من هم يحبون ، قالوا تلك المغنية ، و ذاك المغني ، و لو سمعت ما يسمعون ، لوجدتهم يسمعون لمن هم أسفل الناس ، و لمن ظهروا على مسرح الغناء على أنهم ملوك الإحساس ، و قد جفت ضمائرهم ، و ما جفت دموع الأبرياء .
قطع سلسلة أفكاري إزعاج الطلاب الكبار في أعمارهم ، الصغار في عقولهم ، و أنا في الحافلة التي راحت تعود بي للمنزل البعيد من المعهد الدراسي الذي أنا فيه ، و رحت أتذكر نشرة الأخبار حينما سمعت ذاك الفتى الأفريقي يقول : رغم بعد مدرستي إني أمشي لها سيراً للأقدام ، لأني أحب أن أتعلم .
و حينما كانت عيناي ملقية على نافذة الحافلة رأيت تلك الكتابات على الجدران ، فحاولت أن أقرأ ما يكتبون فوجدت كتاباتهم قمة في المهزلة و السخرية ، و معظمها كانت اقتداء بعادات غربية سلبية ، و تذكرت تمثال بيتهوفن في فيينا ، و تذكرت صور الثوري جيفارا المعلقة في كل شوارع الأرجنتين ، و تذكرت الشعار النازي المرسوم على كل عمارات و أبنية مدينة ميونيخ .
وصلت بي الحافلة إلى باب منزلي ، و راح السائق يناديني بينما أنا أسرح و أفكر ، و ما سمعته إلا عندما هزني من يجلس بقربي ، و هو يقول : أأنت غبي !! هنا منزلك ، و هممت بالنزول و ابتسمت بسخرية و أنا أقول له : غبي من يحكم على شخص بالغباء من دون شيء منطقي ، و نزلت من الحافلة ، و قد تمنيت أن تلك الحافلة و ما حوته من أفكار عن سوء حال ، تعلن رحيلها النهائي بلا عودة ، أو أنها تنزلني من هذا الواقع المر .
حتى أني أظن أن الكثيير لن يقرأ ما كتبت لمجرد أنهم يرونه طويل ، و لا عجب أن يسموا بعضهم بعد ذلك قراء .
تحياتي
كاتبكم : حبر الدموع