نعم اخي العصفور
ولكن
ثورة الحسين عليه السلام ونوعية توظيف واستثمار هذه النهضة المباركة لترقية الحالة القيمية ونشر راية الدين في المجتمع البشري في كافة مراحل التغيير والإصلاح الاجتماعيين وخاصة في المرحلة التي تتعرّض حقيقة وجوهر الدين والمعتقدات الدينية لخطر التشويه والتحريف.
واضح أنّ ثورة كربلاء لم ولن تتجمّد في رمضاء نينوى، ولكنّها تتحرّك على مدى التاريخ وامتداد الزمان والمكان وتتشخص ليس فقط في ذاكرة التأريخ بل في واقع الحياة البشرية. ولكنّنا دون أن نخوض في عرض ما أدّى إلى خلود نهضة الحسين عليه السلام وسرّ عدم خمود هذه الشعلة المقدسة ننعطف نحو تفسير ما إذا يتمكّن الانسان من تجسيد واستحضار هذا الإنهاض الحسيني في كلّ عصر، وكذلك سنحاول من خلال وريقات عدّة تسليط بعض الضوء على ما يتوجب على مضمون العرض العاشورائي وبالذات المضمون الفكري والثقافي له كي يتأهل ليكون عنصر تغيير وتحريك في المجتمع المصاب بالشلل الروحي والأمة الفاقدة للحركة الإيجابية والصمودية.
صحيح أنّنا مقرّون دون تردّد بأن ما اشتعل في عام 61 من الهجرة ظلّ وسيظلّ إلى الأبد حياً في وجدان الأجيال غير أن هذه الحقيقة تماثل حقائق أخرى؛ في أنها لا تموت وتفنى ولكنّما الوعي العميق والاستيعاب الشامل لما تتضمّنه من عناصر إحياء وإصلاح في جميع أصعدة الحياة هي وحدها تضمن التغيير والإصلاح على ساحة الفرد والمجتمع.
من يشكّ في أن في شمس ثورة الحسين عليه السلام ما يمكّن تاريخ البشرية كلّه لكي يتزوّد من دفئها وحرارتها؟ ولكن، مما لا مراء فيه كذلك هو: أنّ الشمس التي تشرق في المساء أيضاً تحول بينها وبين أهل الأرض غيوم وحجب كلّما ضخمت وسمكت كلّما تحرم البشر من حرارتها أكثر، دون أن يعني شيء من ذلك أن الشمس ضعفت أو صغرت ولكن القابل والمتلقي هو الذي ما تمكّن من الإفادة منها. على هذا الأساس إنّ من دون أن يرقى إلى خلود عاشوراء الحسين أدنى شكّ في قدرتها على تمثيل هذا الدور الخالد والتاريخي، بيد أن هناك حقيقة في غاية المرارة يجب أن نقولها لنعتبر منها وهي أن دائرة مفاهيم عاشوراء وإطار معطياتها عند المسلمين ضاقت وانحسرت لتكون في أغلب الأحيان مقصورة على الحالة العاطفية والبكائية. وأمست المجالس العاشورائية في أيام معدودات مطرحاً لعرض الثورة ومضامينها الخاصة بالجانب المشاعري ليحظى الباكي والمبكي بجزيل الثواب، ناسين أن الحقيقة الكبرى في سرّ إصرار آل البيت عليهم السلام لإقامة مجالس الذكرى الحسينية تختبىء في ضرورة استحضارها كبركان طاقة وشعلة محرقة تمكّن البشرية لتفجّرها وتشعلها لهدم أركان الجور وإحراق جذور الاستعباد والاضطهاد الممارس ضدّ الإنسان من قبل الإنسان. ولا أعتقد أن أحداً منا يقبل كي تكون هذه الملحمة الحسينية تقتصر في فلسفاتها على «نظرية خلاص» لأتباعه وشيعته كي تتقارب ثورة الحسين وتراجيديا قتله تتماثل مع ما يظنّ البعض بأن المسيح صلب لأجلنا وتحمّل أعباءنا فعلى هذا قام الحسين عليه السلام بما قام، وصنع أكبر ملحمة في تاريخ الإنسان كي يذكره الإنسان ويبكي لأجله وإذا لم يقدر عليه فليتباكى ليفوز بالجنة... أهذا هو سرّ ومضمون ما قصده الإمام عليه السلام أم هناك أفق عاشورائي أوسع وأرحب وأعمق بكثير من مثل هذا رغم كلّ ما للبكاء والحزن من جزيل ثواب وعظيم أجر لا ينكر؟
العرض التقليدي الذي ألِفَ الناس عليه هو أن عاشوراء مناسبة للحزن والبكاء ولذلك يبدو أن الميزان في مدى انسجام الناس مع الإمام عليه السلام وحركته هو البكاء والحزن، فإذا جاءت مناسبة البكاء والحزن وبكينا على الحسين وآله وأصحابه فحينئذٍ نحن نشعر وكأننا أدّينا الحقّ وفزنا بما يمكن أن يفوز به إنسان في المجالس والأيام الحسينية.
وعلى هذا الأساس الخاطىء أصبح عند عامّة الناس الخطيب المؤهّل للوسام الحسيني من الدرجة الأولى ليس الذي يعالج حركة الإمام الحسين فكرياً ويسعى لإخراج وإحياء المضامين العميقة التي تسفر عن ممارسة تغيير جذري في الفرد والمجتمع فتقرّب آفاقنا نحو آفاق الحسين وأخلاقه وسيرته وتبعّدنا من كلّ خصال السوء التي ملأت وجود مخالفيه ولكنّ من يستحق ذلك الوسام هو الذي مهر وبرعَ في إجراء وإسالة دموع الحضور. وأخيراً أصبحت المجالس الحسينية وخاصة في لبنان وعند الرأي العام تحيى وتقام على أكتاف مقرىء العزاء يجوز لغيره أن يقترب من هذه المجالس لو يعرف فنون ومهارات الإبكاء وهذا يعود سببه إلى أن قمّة الرسالة العاشورائية عند الشارع الشيعي في الغالب هو الحزن والبكاء غفلةً عن أن البكاء على المظلوم كائناً من كان من طبيعة الإنسان الذي لم يمت قلبه ولم يقس فؤاده، وكيف لا يبكي الإنسان على من قتل في كربلاء دون حتى مباشرة الخصوصيات والانتماءات في ذلك. إذاً تكفي الإنسانية في الإنسان ليذرف الدموع على سيد الشهداء وعلى أصحابه وأولاده ولكن البكاء ليس نهاية الرسالة لتكون الحالة البكائية كلّ مضمون المجلس الحسيني بل الحزن والبكاء في هذه المأساة هما اللذان يخلّدان الحدث ويمنعان من أن ينسى وليس أكثر، وأما المسؤولية الكبرى سوف تبدأ بعد هذه المرحلة وهي تبيين الفلسفة الحسينية التي هي وراء هذه الثورة والتي هي منطلقها ومبدؤها ومقصدها والتي لأجل إخلادها في أبدية التأريخ أصابه وأهله ما أصاب.
أبَعْدَ هذا الظلم من ظلم على البشر وعلى النهج أن يبقى الخط الحسيني ونهجه وسيرته ودواعي حركته مهجورة مغمورة ويبقى البكاء كل المضمون الكربلائي ومقرىء العزاء بطل المناسبة؟
إذاً يجب أن يكون المجلس الحسيني منطلقاً جديداً ونقطة تحوّل تُحدث تغييراً في اتجاه الفرد وتوجّه المجتمع. والقيام بهذه العملية التغييرية الفكرية في غاية الصعوبة والأهمية لا يتحمّلها كلّ إنسان وإن كان رادوداً ومقرىء عزاء قديراً. فلذلك إننا في هذه المرحلة في أمسّ الحاجة إلى طاقات فكرية تمكّننا من معرفة حقائق تكمن وراء إنطلاق الإمام وإقدامه على ثورته وأيضاً الإلمام بالمرحلة التي تعيشها أمّتنا في أقطارها ومن كلّ النواحي وقتئذٍ يستطيع هكذا إنسان القيام بدور ناشر الرسالة الحسينية في الناس والمحاولة لعملية التكييف.
إذاً إن الوظيفة الكبرى التي نتوخاها من مضمون هذه المجالس هي أخلاقية وسياسية اجتماعية ومن ثمّ بكائية. معلوم أن الحكم الأموي أقدم على نفي السيدة زينب عليها السلام من المدينة لتذهب إلى الشام، أبعدها كما قال بعض المؤرخين لأنها كانت تقيم مجالس العزاء، ولكن أيّ مجلس عزاء؟ بكاء يستحضر كلّ حبّ وولاء للمبكي عليه ويستجلب كلّ نفور وغضب على الذين أجرموا واقترفوا تلك الجرائر. فالبكاء دافع، حاثّ، محرّك ومحفّز وطريق ولكنّه ليس حركة وتطبيقاً وتجسيداً وترجمة لرسالة الحسين عليه السلام في واقع الحياة. قام الإمام للدفاع عن الدين والحؤول دون تحريفه وإضعافه ولإقامة فرائض الشريعة وإحياء الصوم والصلاة وغير ذلك من مضمون الدين. إذاً لا تبقى الثورة الحسينية إلاّ عبر هذه الانفعالات والبكاء والحزن والمجالس ولكن كلّ ذلك يساعد على أن تكون هذه الحركة لا تنسى. أمّا والحقيقة العظمى المتوخاة منها لا تتسنّى للبشر إلاّ إذا تجاوز البكاء والحزن وذهب إلى أبعد من ذلك بكثير وهو تحقيق ما لأجله قامت قيامة كربلاء وإنجاز ما لأجله ثار الحسين عليه السلام وأما الذين يخالفون البكاء ويكتبون عنه هنا وهناك باستهزاء واستفهام ويظنون بأن البكاء عمل غير واعٍ وينظرون إليه نظرة سلبية أو يعتبرونه مما لا يؤثّر في صناعة الأحداث فعليهم أن يعرفوا من الناحية الاجتماعية بأن البكاء الاجتماعي أقصد البكاء الذي يمارسه مجتمع بأسره على قضية مقدسة واحدة، تمثّل أكبر من قنبلة نووية ومن شأنها إزالة وإزاحة أنظمة قديرة كبيرة جداً لأن قضية مشتركة بين جيل لو بلغت غاية المرحلة العاطفية أي البكاء وذرف الدموع فحينئذٍ ليس فقط تصنع الحدث بل تغير وجه دولة ونظام. وهذا لأن البكاء بكاءان، واحد عن ذلة وآخر عن عزّة. وأمّا إنكار تأثير البكاء على الحياة فلا يصدر إلاّ ممن لا يعرف من سيكولوجية البكاء والحالات النفسية العاطفية في علم النفس كثيراً.
واضح بأننا نلاحظ اتجاهين لا يخلوان من إفراط أو تفريط. فريق لا يهمّه من المجلس الحسيني إلاّ مضمون بكائي عاطفي بحت وآخر لا يرى في البكاء عقلانية، ولكننا نقول بأن البكاء ليس إرادياً والدموع تجري وتسيل في وقتها وعند مشاهد خاصّة والعين تدمع على الحسين وأصحابه وعلى زينب الكبرى ومصائبها ولكن وهذا حلقة ربط بيننا وبين هذه الملحمة فلا يمكن أن نختصر كلّ شيء في هذه الحالة العاطفية ولا يعقل من ناحية أخرى أن نزن البكاء بميزان العقل. إن الحزن والبكاء وما إلى ذلك حالات تطرأ على النفس والقلب وعدم البكاء في ما يستحقه لعلّه مخالف للفطرة والطبيعة البشرية.