طالعتنا جريدة الوقت لهذا اليوم الخميس 3/يناير /2008 بتحقيق كارثي بالنسبة لصناعة الفخار ..
منع عنهم الطين وأراضيهم استملكتها الآثار
صناعــة الفخــار في عـالي مهــددة بالاندثـار
الوقت - ياسمين خلف:
كارثة بكل ما تعنيها الكلمة من معنى تهدد نحو 50 أسرة في قرية عالي، بل تهدد معلم أثري ومهنة أثرية عرفت طريقها لهذه القرية ردحا من الزمن، أيام قلائل فقط لا نعرف بالضبط عددها وتكون مهنة صناعة الفخار من المهن المندثرة والتي سنحكيها لأبنائنا في المستقبل، فالطين كأحد المواد الأساسية لصناعة الفخار أوقف عن حرفيي هذه المهنة بل ومنع عنهم منذ أكثر من 5 أشهر، بعد أن أبلغهم مسؤول في بلدية الجنوبية بمنع أخذ الطين من وادي الحنينية كما كان مسموح لهم منذ عشرات السنين، مصنعين من المصانع السبعة الخاصة بهذه المهنة أقفلا بعد أن نفذت كمية الطين التي يملكانها وخلال أيام ستلحق البقية بهما لتجعل 50 أسرة تعاني من ضنك العيش والفقر بعد أن يفقدوا مصدر رزقهم الوحيد، كيف لا وهم من وجد في مهنة أجدادهم مصدر للرزق فامتهنوا صناعة الفخار منذ نعومة أظفارهم، تاركين مقاعدهم الدراسية، حتى أن أباءهم بدلا من أن يمتلكوا أراض لبناء مساكن لهم وعيالهم آثروا أن يشتروا أراض لبناء مصانع للفخار، اليوم هي مهددة لاستملاك الدولة لها بحجة كونها من أراضي الآثار رغم امتلاكهم لوثائق تؤكد أحقيتهم لهذه الأراضي، ''الوقت '' كان لها جولة في قرية عالي للوقوف على مشكلة تقلق عشرات الأهالي الذين باتوا قاب قوسين أو أدنى من البطالة وضنك العيش. آثار الطين كانت عالقة على ملابسه وحذائه، وملامحه لا تختلف عن غيره من أبناء القرية، فضل ترك مقعده الدراسي من المرحلة الإعدادية ليمتهن صناعة الفخار كوالده وجده، واليوم تجده يصرخ على ابنه إذ أحب أن يقلده ويجلس ليحرك أطرافه ''يده ورجليه '' لصناعة الفخار بعد أن أدرك بأنها مهنة لا تجد من يقدرها ولاسيما الدولة، فبخلت عليهم فأصبح رزقها قليل، رغم أنه لا يزال يحمل في داخله حبا جما لها ويتمنى لو تبقى ولا يطويها النسيان ويتذكرها التاريخ.
يقول زكريا جعفر أن المشكلة بدأت منذ أكثر من خمسة أشهر عندما جاء أحد موظفي مجلس بلدية الجنوبية ليبلغهم بمنع أخذ الطين من وادي الحنينيه كما كان في السابق، ليعلن لهم عن بداية مرحلة خطرة تهدد مهنة عرفت البحرين بها منذ آلاف السنين '' أليست مقتنيات قبور عالي تحكي عن تلك المنقوشات والجرات الفخارية؟ '' بل تهدد 50 أسرة بحرينية وجدت مصدر رزقها الوحيد في صناعة الفخار، يضيف زكريا بأن مصنعين من المصانع السبعة التي تحويها القرية دقت ناقوس الخطر الفعلي بعد أن أقفلت أبوابها بعد نفاد كمية الطين التي كانت بحوزتها، حيث لا يوجد أصلا تخزين للطين بحسبه.
أي خطأ قد يحدث كارثة للمصانع
بأسى واضح من صوته قال ''أين دعم الدولة لهذه المهنة؟ أليست هي مهنة تروج للبحرين سياحيا؟ أيعقل أننا لا نزال نعمل في مصانع خشبية أي خطأ بسيط وأي هفوة قد تهدد باحتراق المصنع ويكبدنا في ذلك أكثر من 15 ألف دينار، وكأنما يتذكر حادثة احتراق جزء من المصنع العام الماضي ليقول '' في العام الماضي تسببت هفوة بسيطة من عامل آسيوي إلى احتراق في المصنع وكلفنا أكثر من 5 ألاف دينار، وهذا المبلغ ليس بالهين على من هم في مثل مستوانا الاقتصادي، من سيعوضنا يا ترى؟ '' يردف '' لا نطالب الحكومة ببناء المصانع ولكن على الأقل تسمح لنا باستصدار رخص للبناء، أخجل حقيقة عندما يزورنا السواح في هذا المكان الذي يفتقد لأقل مقومات السياحة فلا مظلات ولا مقاهي شعبية ولا حتى دورات للمياه، وكم كنت خجلا عندما زارنا وزير داخلية الصين للمصنع الذي لا يرقى أبدا بمستوى مملكة البحرين السياحية.
والطامة الأخرى ''الكلام لا يزال على لسان زكريا '' أن قطاع الثقافة والتراث الوطني يريد استملاك أراضي هذه المصانع باعتبارها من أراضي الآثار، رغم أنها أراضي أبائنا وأجدادنا ونملك الوثائق التي تؤكد ذلك، يقول '' والدي آثر أن يشتري الأرض لبناء مصنع الفخار ولم يشتر له أرضاً له ولأبنائه، واليوم يخسرها لنبقى بلا عمل وبلا سكن خاص ملك؟ من سيعوضنا عن هذه الخسائر نريد أن نعرف بعد أن اقتربت الساعة من فقدان كل ما نملك، أيحق لهم أن يضعوا أيديهم على أملاكنا باسم القانون؟ هناك أحد أصحاب هذه المهنة أصيب بأمراض من القهر ولا يملك إلا القليل من الطين حاليا وخلال فترة قليلة سوف يعلن عن إغلاق مصنعه، وليس ذاك فحسب، فأبناؤه الثلاثة وبعد أن ورثوا مهنة والدهم خرجوا إلى سوق العمل باحثين عن رزق آخر بعد أن وجدوا بأن مهنة صناعة الفخار آيلة للاندثار.
أملنا في رئيس الوزراء
وناشد زكريا رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة لإنقاذ مهنة صناعة الفخار، يقول أن نائب المنطقة ورئيس المجلس البلدي لم يحركا ساكنا، لافتا إلى أن عدداً من المناشدات وجدت طريقها أدراج الرياح ولم يتغير أمر منذ 5 أشهر، هي مدة منع الحصول على الطين من الحنينيه، تصوروا حتى طلبات طلبة المدارس والتي غالبا ما تكون لتحف صغيرة أو شراء كمية بسيطة من الطين لا يمكن للمصانع توفيرها، وهي التي بدأت تستورد المقتنيات الفخارية الجاهزة من إيران لعدم توافر الطين لصنع المقتنيات المحلية.
ومن اختراعات ''زكريا'' صنع جهازا لتصفية الطين وتخليصه من الشوائب، كلفه نحو 600 دينار بحريني، إلا أن الجهاز استطاع أن يقلل من نسبة الأوساخ بنسبة 50%، يقول موضحا '' في السابق كان من ضمن كمية الطين المستخدمة تخرج منها أوساخ 10% أما بفضل الجهاز الجديد الذي اخترعته فتخرج نحو 5% فقط، الفكرة حققت نجاحا وأتمنى لو أطور هذا الجهاز ليستفيد منه باقي المصانع في القرية، ولو وجد دعم ولو بسيط من قبل الدولة لتمكنا من تطوير هذه المهنة السياحية التي يقصدها السواح بفرح واستمتاع.
يضيف بأن العمال في المصانع منعوا قبل فترة من استخدام الأخشاب لحرق الطين بحجة المحافظة على البيئة، مستعيضين عنها بالغاز الطبيعي المستخدم في الأفران، والذي بحسبه كلفته أعلى '' 20-25 دينار لكل فرن في الحرقة الواحدة '' وإنتاجيتها أقل جودة، لافتا إلى رسوم البلدية التي رفعت من 3 دنانير إلى 10 دينار ''نحن فقراء ولا نتحمل هذه الزيادة في ظل تردي وضعنا المهني''.
ليس هذا فحسب فقد قال زكريا أن اللصوص الآسيويين يأتون ليلا لسرقة المنتوجات الفخارية بعد أن يتظاهروا بشراء بعضها في وضح النهار، مؤكدا بأن أهالي القرية كلهم أقارب ولهم صلة نسب بعضهم ببعض، وليس من بينهم من يعتدي على حلال غيره، مرجعا سبب تطاول الآسيويين على حلالهم إلى المصنع المكشوف الخشبي والذي لا يملك مقومات الحماية والسلامة والأمن، '' مسكت عددا منهم ولكن لن أتمكن من منعهم في ظل هذه المصانع الخشبية ''، مشيرا إلى تسلل البعض ليلا لرمي القاذورات والأوساخ بالقرب من مصانعهم.
الطين المستخدم حاليا من أسوأ الأنواع
مهدي حبيب هو الآخر ترك مقاعد الدراسة حبا في مهنة والده، يبدي قلقه من نفاد كمية الطين وإغلاق مصنع والده الذي يقتات منه وأسرته وبقية أخوانه وأسرهم، قول أن صناعة الفخار رغم دخلها القليل فهي تكلفهم الكثير فجهاز ''الخلاط'' كلفه نحو 600 ديناراً هذا بالإضافة إلى أجرة العمال وسيارات نقل الطين والتي تكلف 15 ديناراً في كل حمولة، حتى الأداة المستخدمة في إزالة الطين كلفته نحو 25 دينار، يقول أن الطين المستخدم حاليا لصناعة الفخار من أردئ أنواع الطين، وكان لا يستخدم في السابق ويعتبر من المخلفات أو يستخدم لصناعة الأفران، في الوقت الذي أجبروا اليوم على استخدامه لعدم توافر غيره، مشيرا إلى أن أفضل أنواع الطين هو ذاك المستخرج من روضة أم الماش في مدينة حمد بالإضافة إلى وادي الحنينيه.
وأبدى مهدي قلقه من نفا كمية الطين المجودة في مصنعة، متمنيا من الحكومة دعم هذه المهنة التراثية ولو كان باستيراد الطين من إيران كما تفعل دبي في الوقت الحالي.
لا يمكن لهذه المهنة أن تستمر بدون '' الطين ''
منذ نعومة أظافرنا ونحن نعمل في هذه المهنة كأجدادنا وآبائنا، ولا يمكن لهذه المهنة اليوم أن تستمر بدون الطين '' بهذه الكلمات بدأ عبد النبي عبد الرحيم صاحب مصنع دلمون لصناعة الفخار كلامه، وواصل '' عوائل كثر تأكل وتشرب من هذه المهنة وقطع شرايينها يعني القضاء على هذه العوائل، والأمر لا يقف عند هذا فحسب، توقف هذه المهنة يعني القضاء على تراث هذا الوطن وتاريخه، فلا يقبل أي غيور على هذا الوطن أن تندثر مهنة أجداده، فالسواح يقصدون هذا المعلم الأثري من كل مكان، وكم يبدون إعجابهم بهذه المهنة، أليست مهنة تروج للبحرين سياحيا؟ فلم هذا التجاهل لها وللعاملين فيها؟ يمكنني أن أقول أنني وخلال أيام فقط، نعم أيام فقط سينفد مخزوني من الطين، ولن أجد ما أعمل فيه وسيغلق المصنع، ولا أعتقد أن ذلك سيرضي أي مسؤول أو مواطن في هذه المملكة، يقول أن كل المراسلات التي وجهت لوزير البلديات ووكيل الوزارة وبلدية الرفاع لم يجدوا لها أي تجاوب أو رد، لا ينكر وجود وعود إلا أنها لا تزال ضبابية، نحن ننتظر ساعة '' الصفر '' لنوقف الإنتاج ففي كل صباح نقول لبعضنا بقت كذا كمية فقط ونتوقف وهكذا دواليك '' فلا حيلة لنا بعد نفاد الكمية.
الدولة معنية بتطوير المهنة ودعمها
هذه المهنة بحاجة إلى دعم الدولة لتطويرها، فليس من المعقول أن تبقى حتى الآن كمصانع خشبية، بعد أن وضعت وزارة الإعلام قبل 8 سنوات يدها على الأراضي ومصادرتها باعتبارها أملاً للدولة ومنعت البناء بالطابوق الذي هو أرخص من البناء بالخشب، فنحن نطالب بإرجاع أراضينا المصادرة حتى ولو حصرت في المهنة ذاتها، من حق الدولة أن تصادر التلال الأثرية ولكن ليس من حقها أن تصادر أراضي الأهالي، مصر على سبيل المثال أتت لأصحاب المصانع القديمة وملكتهم الأراضي وبنتها لهم على أن يحافظوا على المهن القديمة، رغم الفارق الكبير بين الدخل القومي لها والبحرين وهو ما نتمناه، لا نخفي إحباطنا وتحطمنا نفسيا من تردي أوضاع هذه المهنة.
كما ليس من المعقول أن تبقى القرية هكذا بدون وجود أي مقومات للسياحة، فلا تشجير ولا إضاءة كافية ولا حتى دورات مياه للسواح، لا ننكر جهود وتحرك بعض النواب لوضع مقترحات لتحويل المنطقة إلى قرية سياحية لصناعة الفخار على غرار بعض الدول والتي منها مصر وتركيا والمغرب، ولا نعرف لم تعثرت هذه الفكرة في آخر الطريق.
طموحنا أن تتطور المهنة بتطوير مهارات القائمين عليها، والذين أصبحوا اليوم في مرتبة الفنيين وليسوا مهنيين فقط، فهم بحاجة إلى دورات خارجية يبتعثون إليها لتطوير أساليب إنتاجهم، أو استقطاب المتخصصين لصقل مواهبهم التي حتما ستعود آثارها على مستوى السياحة في المملكة.
كما نطالب الدولة بوضع اللوحات الإرشادية لموقع مصانع الفخار، فالقرية بعيدة بعض الشيء عن العاصمة وقد يتعذر على السواح الوصول إليها، كأن توضع اللوحات على طريق جسر الملك فهد وشارع الشيخ عيسى بالقرب من ميناء سلمان أو عند مدينة زايد، كما نطالب بدليل للسواح عبر جسر الملك فهد.
فمنتوجات الفخار أغلبها ذات طابع ينقل تاريخ وتراث البحرين القديم كالجداريات والزخارف البحرينية الأصيلة، والأختام الدلمونية وشعار البحرين مما يخدم البحرين سياحيا، ورغم كل ذلك نجد المعوقات أمامنا التي تحبط عزائمنا وتوقف مسيرة هذه المهنة
ومن أبسط حقوق الممتهنين لهذه الحرفة احتساب تعرفه الكهرباء كالعادية لا الصناعية التي تكون عادة أعلى ولا تتناسب مع مصدر دخل أصحاب مصانع الفخار.
كما اقترحنا بإنشاء معمل لتحضير الطين يخدم جميع المصانع في القرية، لمعالجة الطين البحريني وتنقيته لتقل نسبة التكسر وترسب الحجر الجيري ''النورة''، وذلك لدعم المهنة وتطويرها، ولا نعرف الأسباب وراء وضع هذا المقترح في الأدراج وعدم تفعيله.
واختتم بأن جميع أصحاب مهنة صناعة الفخار عندهم ثقة بأن الدولة لا تتمنى أن تندثر هذه المهنة، وان إهمالها ''غير مقصود'' ولكنهم يتمنون أن تصل أصواتهم إلى المعنيين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه خصوصا أن ناقوس الخطر دق بإغلاق مصنعين من أصل 7 قاومت لسنوات لتبقى هذه المهنة رمزا للبحرين فهل يصل صوتهم قبل أن تنفد كمية الطين التي بحوزتهم، هذا ما ستثبته لنا الأيام.
لا بـد من إيجاد البديل بتحرك إدارة الـتراث
من جهته أكد عضو مجلس بلدي الوسطى عادل الستري المشكلة التي يعاني منها ممتهني صناعة الفخار، مشيرا إلى أن السبب في منع أخذ الطين من وادي الحنينية يرجع إلى تسبب أخذ الطين بكميات كبيرة إلى إحداث حفر كبيرة في الوادي، لافتا إلى أن القضية ستطرح اليوم على الوكيل المساعد لقطاع الثقافة والتراث الوطني الشيخة مي بنت محمد آل خليفة أثناء زيارتها للمصانع اليوم. وقال ''لابد من إيجاد بديل لهذا الطين بتحرك إدارة التراث أو الدولة، فإمكانات أصحاب المصانع لا تسمح لهم مثلا باستيراد الطين من الخارج.