جهة السؤال .. الشيخ إبراهيم المبارك في قرية الدير
الوقت - محمد المبارك:
ما الذي يمثله الواجب الديني في قرية ‘’الدير’’ في منتصف القرن الماضي؟ كيف يتمثل هذا الواجب بالنسبة إلى ‘’صياد’’ أو ‘’غيص’’ أو ‘’سيب’’ لا يعرف كيف يتهجى حروف لغته العربية؟ ما الذي يعنيه هذا القروي من الدين إذا تجاوزه بفكره؟ لقد ساد في الفقه الإسلامي مصطلح ‘’التكليف’’ وهو مجموع الواجبات الدينية من عبادات وطقوس يجب على المسلم أداؤها، فيسمى ‘’المكلف’’، وسن البلوغ هو ‘’سن التكليف’’. عمل الخطاب الفقهي على ترسيخ هذا المفهوم في الثقافة العامة، حتى أصبح سؤال التكليف بالنسبة إلى المجتمع سؤالاً ماثلاً، لابد له من أن يسعى إلى أن يظفر بمن يرعى هذا السؤال. أصبح متعارفاً في ذلك الوقت أن يدعو رجالات القرى رجال الدين لزيارة قراهم. كانت تلك هي الوسيلة الوحيدة للإجابة على ما يطرأ لهم من تساؤلات في عباداتهم ومعاملاتهم.
في مطلع القرن العشرين عرفت قرية الدير الشيخ خلف العصفور (1863 - 1936) فأسلمت له قيادة تكليفها. كيف لا وهو العالم المتمكن. اتخذ الشيخ العصفور في ذلك الوقت المبكر من القرن العشرين، مكاناً بارزاً في قيادة مجتمع البحرين بعد أن قدم إليها من بوشهر في العام ,1898 وتصدى للإفتاء والقضاء الشرعي، وأقام الجمعة في مناطق متعددة من البحرين، في مساجد أسس بعضها. ارتبط مجتمع الدير بالشيخ خلف العصفور، يستفتيه عن تكاليفه الشرعية، ويتقاضى أمامه في خصوماته المدنية والأسرية.
راعي التكليف
في العام 1936 فقدت القرية الشيخ خلف العصفور بعد أن نفي خارج البحرين، حتى قال الملا الحاج عبدالله بن الحاج أحمد بن مهدي الديري عن هذا الفقد ‘’أصبحنا بعد الشيخ خلف كالغنم بلا راعي’’(1). هذه العبارة العفوية حددت أفق العلاقة بين الشيخ والمجتمع في كون الشيخ هو مصدر معرفة التكليف بالنسبة إلى المجتمع، فعندما يفقده فإنه يفقد البوصلة التي توجه أسئلة تكليفه إلى جهة إبراء الذمة. لابد لسؤال التكليف من راعٍ يبلغه جهته، ويعين الناس على أداء حقه. علماء الدين هم الرعاة الذين يتوجب عليهم اتباعهم، والنصوص تدعو لذلك.
فكيف يتحصل المجتمع على راعٍ لتكليفه؟ وماذا يقدم له مقابل تلك الرعاية؟
كانت البحرين في قرون سابقة مركزاً للدراسات الدينية، يتخرج في حوزاتها الفقهاء حتى منتصف القرن العشرين حين أصبحت تعتمد على حوزة النجف في العراق لتأهيل علمائها الكبار. يتطلع الناس لكل مقبل جديد من النجف كما يقول الشيخ إبراهيم المبارك في كتابه ‘’حاضر البحرين’’، ‘’حيث إن هواية أهل البحرين بالطبع والخاصة لكل جديد وأول مقبل’’ (2).
في مطلع الأربعينات من القرن الماضي، تعرف الحاج علي بن الحاج محمد بن ناصر المطوع (من قرية الدير) إلى الشيخ إبراهيم المبارك، الذي قدم للتو من النجف بعد سنين قضاها هناك في دراسة العلوم الشرعية. دعاه إلى ‘’الدير’’ ليصلي فيها الجمعة والجماعة. يعد الحاج علي المطوع من أحد رجالات الدير وقرّائها، وكان أبوه الحاج محمد بن ناصر على علاقة وثيقة بالشيخ خلف العصفور. لم يكن الحاج علي يعرف أن هذه الدعوة ستؤسس لسيرة طويلة بين الشيخ إبراهيم وقرية الدير. دعوة الحاج علي تحمل إرث أبيه الحاج محمد بن ناصر في الاحتفاء بعلماء الدين واستقدامهم للقرية. كما كان الشيخ إبراهيم قبل سفره للنجف تلميذاً للشيخ خلف العصفور وقد صحبه في سنوات حياته الأخيرة، ها هو يقتفي أثر أستاذه الشيخ خلف العصفور في تعميم إقامة الجمعة على مناطق البحرين، فهو يقول في كتابه ‘’حاضر البحرين’’ مختتماً تأريخه لصلوات الجمعة في البحرين ‘’جاء الشيخ خلف من (بوشهر) ونزل المنامة فراج أمره واعتدلت حاله وأقبلت عليه الناس فأسس جامع رأس رمان وصلّى فيه الجمعة، ثم أقامها في أماكن متعددة فبنيت الجوامع كجامع بوري وكرزكان ودار كليب والدير وسماهيج وعراد، وكان يطرق هذه المواضع كلها سنوياً ويقيمها فيها، حتى مضى الشيخ إلى سبيله، وبعد فترة خمس سنوات أقمت أنا الجمعة مقامه في هذه المراكز أجمع ما عدا جامع رأس رمان’’ (2).
يروي الملا عبدالله، الذي لزم الشيخ إبراهيم لاحقاً، كيف أن ‘’وفداً’’ تشكل بعد ذلك لحث الشيخ إبراهيم على القدوم لإقامة الصلاة في الدير. زار أعضاء الوفد قرية عالي مصلّى الشيخ في أيام الجمعة، عرضوا عليه الأمر فاستجاب.
كان يوم قدوم الشيخ إلى القرية مشهوداً، استقبله جميع أهل القرية، يتقدمهم كبار القرية مثل: الحاج علي المطوع والملا عبدالله بن مهدي، الذي ألقى قصيدة من نظمه في المسجد. بدأ الملا عبدالله قصيدته بتمجيد الخالق، كعادة النُظّام، ولم تفته الإشارة إلى فقد القرية للشيخ خلف ‘’فقدنا ضيانا واستوينا بظلمة’’، وأن الأمل المعقود على الشيخ إبراهيم الذي هو ‘’سمي خليل الله ذو الجود والتقى’’ في أن يسد الفجوة التي تركها الشيخ الخلف ويكون مثل ‘’بير يروي ظمانا’’. عبر الملا عبدالله بشاعريته العفوية وأدوات نظمه الأقرب إلى الشعبية، عن إحساسه بهذا الامتداد الذين الذي كان آخذاً في التشكل من رعاية الشيخ خلف إلى رعاية الشيخ إبراهيم.
أصبح الشيخ إبراهيم يزور القرية لإقامة صلاة الجمعة، ويبقى فيها كل مرة مدة قد تمتد من أيام عدة إلى أسابيع في بعض الأحيان. صار يزور سماهيج وعراد أيضاً.
عيد الجمعة
تكليف الجمعة مقدس، وبحضورها يؤدي المكلف واجباً مفروضاً هو واجب الجمعة. فالجمعة عرس التكليف، ولا يفوقه في ذلك إلا عرس الحج، وهو عزيز المنال لغالبية الناس في ذلك الوقت. كان مجتمع القرى البحرينية في غالبيته مازال يتبع فقه العلامة الشيخ حسين العصفور (رحمه الله)، الذي وضع شروطاً عسيرة في إمام الجمعة.
فقدت القرية الجمعة بغياب الشيخ خلف العصفور، فلما عادت مع الشيخ إبراهيم المبارك، احتفى الناس بها احتفاء العيد وأكثر. أقام الشيخ إبراهيم الجمعة في الدير في جامع الخيف. يتحول يوم الجمعة الذي يصلّي فيه الشيخ في القرية إلى عيد، تبدأ احتفاليته منذ الصباح بتوافد الناس من قرى ومدن البحرين على الدير، مشاة وعلى الحمير. وللمرء أن يتخيل كيف تتحول ساحة القرية إلى سوق نشط ومكان لقاء وتجمع قبل أذان الظهر. وبعد أن تتم الصلاة، تفتح بيوت القرية مجالسها لاستقبال الناس لتناول طعام الغداء. لم تكن هناك دعوات ولم يكن هناك أحد يحتاجها. تخرج من المسجد، وتدخل أي مجلس فيه متسع. كأن الطعام مشاع لزوار القرية والضيوف مشاع لأهل القرية. وعندما ينقص الطعام في أحد البيوت، يذهب صاحبه إلى بيت آخر ليجلب المزيد. كانوا يحتفون بالضيف، ويؤمنون بأنه عندما يطلع من بيتهم راضياً، فهو يطلع بذنوبهم أيضاً.
أقلقت هذه الظاهرة مجموعة من شباب القرية، فأخذوا يبعثون رسائل تهديد للشيخ لينقطع عن إقامة الجمعة في قريتهم، يرمون بها من فوق سور البيت الذي يسكن فيه، حتى اضطر أولو الأمر في القرية إلى تعيين حرس حول البيت الذي يبيت في الشيخ. ووصل الأمر - كما يقال - إلى أن يجد الشيخ بعضاً من هذه الرسائل تحت سجادته بعد الفراغ من الصلاة، فيأخذ هذه التهديدات على محمل الجد، ويقرر التوقف عن إقامة صلاة الجمعة في الدير.
لم ينقطع أهل القرية عن صلاة الجمعة خلف الشيخ، فعندما لا يأتيهم يذهبون إليه. وكانت حافلات نقل خاصة تحمل ركاباً من سماهيج والدير صباح كل جمعة لتقلهم إلى عالية يؤدون صلاة الجمعة، ثم تعود بهم.
سكن الراعي
تمتد العلاقة بين الشيخ وأهل القرية إلى أكثر من أداء فرض الجمعة. فالشيخ يرشد، ويشرح، ويقضي، ويحسّن، ويقبّح، ويطبب، ويرقي (من الرقية الشرعية)، ويحدد الأيام المناسبة (الأيام ‘’الزينة’’) للزواج أو السفر، ويعلًم، والمجتمع يبجل، ويقدس، ويستقبل، ويطعم، ويطيع التعاليم التي يأتي بها الشيخ.
جهز الحاج علي المطوع للشيخ غرفة في أعلى بيته، ليسكن فيا أثناء إقامته في الدير. يقع هذا البيت على ما يعرف الآن بـ ‘’شارع ‘’27 وكان وقتها يطل على البحر. سكن الشيخ إلى القرية وسكنت إليه، فأصبحت الدير هي سكنه الخاص والعام. فقد تحقق سكنه الخاص إليها بزواجه من حفيدة الحاج علي، الذي ‘’أعطاها’’ إياه من دون الرجوع إلى والديها. وكان هذا طبيعياً في ذلك الوقت، خصوصاً أن الجد كان هو عميد العائلة.
بعد فترة حدثت جفوة بين الشيخ والحاج علي، انقطع بسببها الشيخ عن زيارة بيته عندما يقدم للدير، وانقطع هو عن الصلاة خلفه. وانتقلت إقامة الشيخ في زياراته إلى بيت أبي زوجته الحاج محمد علي أبوحسين’’. كان البيت مكوناً من ‘’حوش’’ ترابي وغرفة واحدة يخليها الحاج علي وزوجته للشيخ ليقيم فيها مع ابنتهما أثناء زياراته.
ومثلما سكن في بيوتها، وسكن إلى زوجته فيها، فقد سكن في نفوس الناس أيضاً، فأصبحوا يدعونه باستمرار إلى إقامة صلاة الجماعة وعقد مجالس يوجهون فيها إليه أسئلة تكليفهم الشرعي. فسكن في ثقافتهم، وأصبح جهة لسؤالهم الشرعي.
تكثفت الدعوات إلى الشيخ من قبل أهل القرية، على رغم أن هذه الدعوات وطقوسها تتكرر في قرى أخرى، إلا أنه كان للدير طابع خاص، يبدأ من الاستعداد المبكر للشيخ لهذه الزيارة. فهو يخرج لها مبكراً لأنه يحرص على المرور على منطقة القضيبية قبلها، حيث يملك هناك بيوتاً يؤجرها. يذهب إلى أحد هذه البيوت، وقد لا يدخلها، ولكنه يمكث قربها قليلاً ويشتري له ولمن معه من إحدى البقالات القريبة عصيراً أو ماءً يشربونه، ثم يواصلون المسير للدير. والسر في ذلك، أن بُعد الدير عن قرية عالي (سكن الشيخ) يجعل من الذهاب إليها ‘’سفراً’’ من وجهة النظر الشرعية يستوجب قصراً للصلاة. بهذه الطريقة، يجعل احتساب المسافة الشرعية من القضيبية إلى الدير فقط، وبهذا لا تعد ‘’سفراً’’، وينجو الشيخ من وجوب القصر في الصلاة. فكأن الشيخ يقطع في ‘’سفره’’ للقرية مسافتين: مسافة جغرافية تتمثل في بُعد القرية عن محل إقامته، ومسافة شرعية يقطعها بتلك الحيلة الفقهية. فيتحمل مشقة المسافتين، ليجد في القرية سكنه الثاني. فبسبب زواجه من قرية الدير، أصبحت زيارته للدير زيارة لأهل، وكان دائماً ما يصحب زوجته ‘’الديرية’’ في هذه الزيارات، وكانت أحياناً لا ترجع معه إذا كان سيرجع في اليوم نفسه، حتى يعود في الزيارة المقبلة، التي لا تتأخر في أحيان كثيرة عن أسبوع.
وكما كان الشيخ يحمل هذه المكانة الخاصة للدير في نفسه - كما حدّث بذلك أبناؤه والقريبون منه - كان أهل الدير يجلون الشيخ إجلالاً عظيماً ويكنون له حباً كثيراً. هذا الحب أصابت منه زوجته ‘’الديرية’’ كثيراً، ولمسته جلياً في الاحتفاء الذي تلقاه من رجال القرية ونسائها، بسبب أنها زوجة ‘’الشيخ’’. تحرص نساء القرية، رغم فقرهن، على إهدائها طعاماً (حلوى ومكسرات ومعلبات) عندما تأتي للقرية في إحدى زياراتها. فكانت لا تعود من الدير، إلا وهي محملة بالأطعمة والهدايا.
رجال الشيخ
كان الشيخ محافظاً، ينتمي في التكوين الفكري والنفسي إلى جيل من سبقه، فهو متضلع في الفقه الأخباري، وشاعر، ولديه اطلاع بالمعارف القديمة في الحكمة والفلك والطب. ولم يكن الشيخ إبراهيم فقيهاً أو مفتياً ولكن كان لرأيه سطوة قوية فأمسك بزمام مجتمعات بعض القرى حتى أصبح فيها له أتباع يدينون بآرائه التي كان بعضها يصطدم مع التغيير ويقاوم تغلغل التقنيات الحديثة في حياة المجتمع البحريني. وتابع بعض أتباعه التمسك بتعاليمه في تحريم مكبرات الصوت والتصوير إلا للضرورة القصوى إلى نهاية حياتهم. كانت وفاته في نهاية السبعينات، والثورة الإيرانية لم يمضِ على انتصارها غير أشهر، فلم يعاصر الصحوة الدينية الجديدة التي تصالحت مع التقنية الحديثة، بل استخدمتها في نشر خطابها الإعلامي والدعوي.
وكان من أتباعه ومريديه في القرية من آمن بآرائه واعتنقها حتى بعد وفاة الشيخ، كما كانوا رجاله وحاشيته أثناء زياراته للقرية، فالحاج علي المطوع هو أول من دعا الشيخ إبراهيم إلى القدوم إلى الدير، وأصبح يعد ‘’رجّال الشيخ’’ في القرية، وأخذ منه ‘’وكالة’’ للتزويج والتطليق.
أما الملا الحاج عبدالله بن مهدي فقد كان يلازم الشيخ طيلة زيارته للقرية حتى أصبح ‘’رجّال الشيخ’’ بعد الحاج علي المطوع، وكان مختصاً أيضاً بقراءة الدعاء بعد الصلاة، أما الحاج باقر أخو الملا عبدالله فهو ‘’قدر الشيخ’’، يطبخ للشيخ في قدر منفصل عن بقية المدعوين للوجبة التي تقام بعد الصلاة. وكان الحاج باقر هو المسؤول عن هذا القدر بغض النظر عن مكان الوليمة. فيقوم بالإشراف على الطبخة، ويسكب الطعام ويقدمه بنفسه للشيخ. كانت الطبخة دائماً ما تتكون من لحم الديك والرز ‘’البسمتي’’ الذي كان يعد ترفاً في تلك الأيام. وكان هناك آخرون ممن كانوا قريبين من الشيخ عند زياراته للدير: الحاج علي بن كاظم (مؤذن المسجد)، والحاج علي العشيري، والحاج حسن بن غانم وله قصيدة في رثاء الشيخ.
جهة السؤال
في الثقافة الشعبية، عالم الدين مصدر البركة والمعرفة، يرى حقائق الدين في حوزات النجف وهو الذي عرف دقائق الفقه الإسلامي. أصبح الشيخ إبراهيم ‘’جهة السؤال’’ في قرية الدير. يتجهون إليها ليأخذوا تعاليم تكليفهم الشرعي. فاستمروا في دعوته إليهم حتى بعد أن انقطع عن صلاة الجمعة فيها، وإلى أن توفي في العام .1979
اقتصرت الزيارات على صلاة المغرب والعشاء جماعة، وكانت تتمّ بدعوات من رجال القرية للشيخ ليتعشى في بيوتهم. كانت الدعوات تتم غالباً بسبب عودة الداعي من الحج أو زيارة الديار المقدسة، أو لزواج.
لم تكن الدير بدعاً من القرى، فقد كانت مثل هذه الدعوات تقليداً متعارفاً. ففي سنين السبعينات، وبعد انتشار السيارات، لم يكن يكاد يخلو يوم للشيخ من دعوة على العشاء في إحدى القرى. يعدّ الداعي للشيخ مأدبة، تكون بمثابة مائدة السؤال. فهي مائدة تنشأ أثناء طقوسها الأسئلة، ويؤدي الشيخ دوره فيها راعياً لهذه الأسئلة، يبلغها مأمنها، ويزيل التباسات سائليها.
تتشابه طقوس الزيارات تقريباً فتبدأ عادة من وقت العصر. يصل الشيخ إلى القرية مع سائقه - الذي غالباً ما يكون أحد أزواج بناته أو ابنه مجيد في السنوات الأخيرة من حياته. يكون في استقبال الشيخ دائماً أناس على مشارف القرية، يأخذونه إلى مكان المجلس المعتاد في بيت الحاج علي بن كاظم أو في بيت الداعي نفسه. كان للشيخ هيبة ووقار مشهودين. يمشي بتؤدة حاملاً عصاه، ووراءه كوكبة من رجال القرية. يهرول أمام الموكب ثلة من الشباب مهمتهم إزالة أية عقبات قد تعترض انسياب الطريق، من الأطفال الذين يلعبون في وسط الطريق، أو الحيوانات التي قد تكون مربوطة على جوانبه، أو أي شيء آخر. يصل الموكب إلى المجلس المعد، فيتصدره الشيخ، ويأخذ الحاضرون أماكنهم.
لم يكن ذلك مجلس حديث ومؤانسات، بل كان أشبه بمجلس درس. يستأذن أحد الحضور الشيخ في أن يطرح سؤالاً بأن يصيح قائلاً: شيخنا لكم الفضل.. فيعرف الشيخ أن لديه سؤال، فيوجه انتباهه إليه. يسأل السائل السؤال على مسمع من جميع الحضور. ويجيب الشيخ والجميع منصتين. لا يعلق أحد من الحضور إلا إذا كان لديه سؤال آخر. كان الحضور يسألون، والشيخ يجيب. وليس لأحد من الحضور أن يعطي رأياً آخر.
يستمر المجلس حتى موعد صلاة المغرب، يتجه الجميع لأداء صلاة المغرب والعشاء خلف الشيخ. بعد الصلاة، يذهب الشيخ، يتقدمه الداعي، إلى المجلس الذي سيتعشى فيه. وقد ينعقد مجلس سؤال آخر بعد العشاء. كما يحدث كثيراً أن يقوم أحد الحضور بدعوة الشيخ للعشاء في الليلة التي بعدها، فيقبل الشيخ إذا لم يكن لديه ارتباط آخر، أو يطلب تأجيلها لليلة أخرى.
(1) من مقابلة مسجلة مع الملا عبدالله بن مهدي، أجراها معه ابن أخيه منصور بن باقر.
(2) الشيخ إبراهيم المبارك، حاضر البحرين، الطبعة الأولى ,2004 مركز الجلاوي للدراسات والبحوث.
(3) المصدر السابق.
¤ المزيد من الأخبار:
» جهـة الـذوق.. أم صــــــــادق
» جـئـن مــن إيـران يحملـن حلمـاً اسمـه البحــرين
» من أين جــاءت الديـــر؟
» جهة الأرشيف.. جعفر السويدي أرشيــــف الديـــر
» ألفة القطة
منقول من صحيفة الوقت :
http://www.alwaqt.com/art.php?aid=34441