وقال لشيعته وهو يوصيهم ـ والوصية هي للشيعة في الخطّ الإسلامي، لأنّ التشيّع ليس شيئاً زائداً عن الإسلام، بل هو الخط الأصيل للإسلام، وهذه الوصية مرويّة أيضاً عن الإمام الصادق(ع) مع بعض التغيير في الألفاظ: "وأوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله ـ في معرفته وطاعته وفي عبادته ـ وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من برّ أو فاجر، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد(ص)، صلّوا في عشائرهم ـ يعني هؤلاء الذين يجاورونكم ممّن تختلفون معهم في المذهب ـ واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدّى الأمانة، وحسّن خلقه مع الناس، قيل هذا شيعي، فيسرّني ذلك ـ لأنه سائر على الحق والاستقامة في خط الإسلام ـ اتقوا الله وكونوا زيناً ـ نتزين به ـ ولا تكونوا شيناً، جرّوا إلينا كلّ مودة ـ اجعلوا الناس يحبوننا، فلا تتحدثوا مع الناس بالحقد والبغضاء والسباب وما إلى ذلك ـ وادفعوا عنا كلّ قبيح، فإنه ما قيل فينا من حَسَنٍ فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك، لنا حق في كتاب الله، وقرابة من رسول الله، وتطهير من الله لا يدّعيه أحد غيرنا إلاّ كذّاب".
هذه وصيته، فهل نعمل بوصيته؟ إنها تمثل الخط الإسلامي في عالم العبادة وفي عالم السلوك الاجتماعي الذي يجعل الإنسان في مجتمعه خيراً لكلّ مجتمعه، سواء مع الناس الذين يلتقي معهم في الخطّ، أو مع الذين يختلف معهم. وهكذا أن يكون الإنسان زيناً لمن ينتمي إليهم ولا يكون شيناً على من ينتمي إليهم، وذلك هو نهج رسول الله(ص): {وإنّك لعلى خلقٍ عظيم} [القلم:4]. {فبما رحمة من الله لِنتَ لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك} [آل عمران:159]. "أكثروا ذكر الله ـ حتى يعيش الإيمان الحيّ المتحرّك في عقولكم وفي قلوبكم، لأنكم إذا ذكرتم الله ذكرتم أنفسكم في مسؤولياتكم، وإذا نسيتم الله نسيتم أنفسكم {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} [الحشر:19] ـ وتلاوة القرآن، والصلاة على النبي، فإنّ الصلاة على رسول الله عشر حسنات. احفظوا ـ والخطاب لنا ـ ما وصّيتكم به، وأستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام"، وعليك السلام أيها الإمام البرّ التقي.
و قال في نهاية المطاف عن الذين يستهينون ببعض الذنوب: "من الذنوب التي لا تغفر، قول الرجل ليتني لا أؤاخذ إلا بهذا". وقال(ع): "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنها تجتمع حتى تكون كباراً"، ثم قال(ع): "الإشراك في الناس أخفى من دبيب النمل على المسح الأسود في الليلة المظلمة"، لأن الكثير من الناس قد يشركون بالله وهم لا يشعرون، عندما ينفتحون على رضا الناس عليهم بعيداً عن رضا الله عنهم، ولذلك فهم يقصدون الناس بالعمل ليرفعوا درجتهم عندهم ولا يقصدون الله ليتقرّبوا به إليه. وقد جاء في سيرة الإمام(ع) أنه عندما مرض، أرسلت إليه السلطة الكثير من الأطباء لمعالجته والبقاء إلى جانبه، حتى إذا قبضه الله إلى جواره أرسل الخليفة إلى العلماء والقضاة لينظروا إليه وليشهدوا أنه مات حتف أنفه حتى لا تتهم الخلافة بقتله. ويذكر المؤرخون أنه عندما أعلنت وفاته ضجّت سامراء ضجة واحدة، وانطلق كلّ الناس في تشييعه، وأرسل الخليفة إلى بيته من يفحص هل له ولد، ويفحص جواريه هل أن إحداهنَّ حامل، لأنهم كانوا يريدون أن يطمئنوا لانقطاع الإمامة، ولكنّ الله عز وجل أخفى وليّه بالطريقة التي حفظ بها هذا الولي الذي ينتظره العالم كلّه ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وصلى الله على الإمام الحسن العسكري(ع) وعلى آبائه(ع) وعلى ولده(ع) حجة الله في الأرض، سائلين الله أن ينفعنا ببركته وبركة آبائه، وأن يرزقنا شفاعتهم {يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون*إلا من أتى الله بقلبٍ سليم} [الشعراء:88ـ89].