من المسؤول عن جنس المولود؟
د. محمد السقّا عيد (منقول)
من الأسئلة التي كثيراً ما تتردد على أفواه الآباء والأمهات عند حدوث كل حمل جديد السؤال الخالد الخاص بجنس المولود وهل سيكون ذكراً أم أنثى؟ وكثيراً ما تكون هناك تنبؤات وأمنيات أو دعوات يرجى لها أن تتحقق إرضاء لأحد الوالدين أو كليهما.
والواقع أن هناك أناساً لا يُبدون اهتماماً كبيراً بهذا الموضوع، بل يتركون "المقادير تجري في أعنتها" كما يقول الشاعر العربي القديم، راضين بما يقسم الله لهم عند حلول اليوم الموعود، ولكن هناك أيضاً أناساً آخرين يولون هذا الموضوع أهمية قصوى حيث تتركز كل أحلامهم وأمانيهم في إنجاب المولود الذكر؛ حيث تكون ولادة الأنثى عندهم شراً مستطيراً!
ولكي نتعرف عزيزي القارئ على العوامل التي تؤثر في نوع الجنين لابد لنا من العودة إلى موضوع إخصاب البويضة، وأيضاً إلى التركيب الكروموسومي لكلٍ من الرجل والمرأة.
وعن هذا التركيب نذكر باختصار شديد ودون الدخول في تفصيلات أن كل خلية في جسم الإنسان (ذكراً كان أم أنثى) تحتوي على عدد كبير جداً من العوامل الوراثية أو الجيناتGenes وتلك العوامل هي التي تنقل جميع الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء ومن الأبناء إلى الأحفاد وهكذا.
وتوجد تلك العوامل الوراثية داخل جسيمات دقيقة تستقر في نواة الخلية ويُطلق عليها اسم الكروموسومات أو الصبغيات Chromosomes وهى موجودة عند جميع الحيوانات التي تعيش على ظهر الأرض.
وتحتوى نواة الخلية في الإنسان على 46 كروموسوماً. وهو عدد ثابت في كل خلية من خلايا جسم الإنسان سواء أكان ذكراً أم أنثى.
كيف يحمل الجنين صفات والديه؟
وفى أثناء تكوين الأمشاج داخل الخصية أو المبيض يتم اختزال هذا العدد إلى النصف في عملية يطلق عليها اسم (الانقسام الاختزالي) فيحتوي كل من المشيج الذكري (الحيوان المنوي) على 23 كروموسوماً، والمشيج الأنثوي (البويضة) على 23 كروموسوماً، وعند اندماجهما معاً في عملية الإخصاب تحتوي البويضة المخصبة (الزيجوت) على 46 كروموسوماً وهو العدد الأصلي لخلايا الجسم في الإنسان كما هو موضح في المعادلة الآتية:
المشيج الذكري + المشيج الأنثوي = عملية الإخصاب = الزيجوت 46.
ولما كانت البويضة المخصبة أو الزيجوت هي التي تستقر داخل الرحم وينتج عنها الحمل وتكون الجنين، ولما كانت الكروموسومات التي سبق ذكرها هي حاملات العوامل الوراثية فإن هذا الجنين تنتقل إليه نصف العوامل الوراثية من الأب والنصف الآخر من الأم، أو بمعنى آخر أن كلاً من الأب والأم يشتركان معاً في صياغة وتكوين جميع الصفات الجسدية والفعلية لهذا المخلوق الجديد فهو يستمد من كل منهما جرعة متساوية من الجينات أو العوامل الوراثية التي تكيف حياته المستقبلية.
أما ما يتعلق بالتكوين الجنسي لهذا المخلوق الجديد أي أنه سيكون ذكراً أو أنثى فإنه يتحدد تماماً بعد إخصاب البويضة مباشرة إذ يتوقف ذلك أيضاً على نوع الكروموسومات التي يحصل عليها من كل من الأب أو الأم.
ولإيضاح تلك الحقيقة نقول:
إنه من بين الثلاثة والعشرين كروموسوماً الموجودة في كل من المشيج الذكري والأنثوي يوجد كروموسوم واحد يسمى (الكروموسوم الجنسي) وهو من صنفين أُطلق عليهما باللغات الأجنبيةX،Y وباللغة العربية س، ص.
وللعلم فإن جميع البويضات التي ينتجها مبيض الأنثى لا تحتوي إلا على الكروموسوم السيني (س) أما الحيوانات المنوية التي تتكون داخل الخصية فيحتوي البعض منها على الكروموسوم السيني (س) والبعض الآخر على الكروموسوم الصادي (ص). ولما كانت الحيوانات المنوية الحاملة لهذين الصنفين من الكروموسومات في أعداد متساوية تماماً تكون الفرصة سانحة أمام أي منهما للوصول إلى البويضة والقيام بإخصابها. ويكون هناك أحد احتمالان لا ثالث لهما:
الاحتمال الأول: بويضة (س) + حيوان منوي (س) = زيجوت (س س) ويكون المولود أنثى.
الاحتمال الثاني: بويضة (س) + حيوان منوي (ص) = زيجوت (س ص) ويكون المولود ذكراً.
إذن يتضح مما سبق أن المرأة ليس لها أي دخل على الإطلاق في تحديد جنس الجنين.. بل يتم تحديد هذا الجنس وبصورة نهائية عن طريق الحيوان المنوي Sperm الذي قُدِّر له القيام بإخصاب البويضة، إذ إن البويضة (وهي التي تتخلق فيما بعد إلى جنين) قادرة على السير في أحد اتجاهين وهما اتجاه الذكورة أو اتجاه الأنوثة، وأن المشيج الذكرى (الحيوان المنوي) Sperm هو الموجه لها على السير في أحد هذين الاتجاهين أو في الاتجاه الآخر، وذلك تبعاً لنوع الكروموسوم الجنسي الذي يحمله في أعماقه.
لهذا أحب أن أوضح وأؤكد لكلٍ من الوالدين أن الخلاف الذي قد ينشأ بينهما بعد الولادة والمتعلق بجنس المولود ليس له أي داع على الإطلاق، وخصوصاً أن بعض الرجال وهم على الأرجح من الطبقات التي لم تنل حظاً وافراً من التعليم أو الثقافة يُحملِّون المرأة وزر ولادة الأنثى إذا كانوا هم يريدون المولود الذكر!
وقد يستمر مثل هذا الجدل بينهم فترات طويلة مما يؤدي إلى فتور العلاقات بينهما أو إلى قطعها في نهاية المطاف وخصوصاً إذا تكررت من الزوجة ولادة الأنثي مرة وثانية وثالثة، وهو ما لا تستطيع أن تتحاشاه على الإطلاق أو تقوم بتغييره إلى العكس.
وخير ما يهدئ النفوس ويزيل الأحقاد هو الامتثال لحكمة الله سبحانه وتعالى مصداقاً لقوله يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49)(الشوري).
ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى قوله تعالى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى" 39 (القيامة). فقوله تعالى فجعل منه أي جعل من هذا المني الذكر والأنثى ولم يقل "فجعل منها" أي جعل من النطفة نفسها. معنى ذلك أن بويضة الأنثى لا علاقة لها بجنس الجنين.
ولعلك بعد ما قرأت ما سبق عزيزي القارئ يتضح لديك كذب الاعتقاد السائد منذ آلاف السنين وحتى عهد قريب من أن نوع الجنين سواء أكان ذكراً أم أنثى يتوقف على المرأة وحدها.
وأحب أن أُنبه قبل أن أختم حديثي عن هذا الموضوع إلى أن بعض علماء الوراثة قد قاموا بعدة محاولات للتحكم في جنس الجنين في الإنسان وكانت محاولتهم الأخيرة تعتمد على فصل الأمشاج الجنسية المنتجة للذكور (وهى الحاملة للكروموسوم ص) عن الأمشاج المنتجة للإناث (وهى الحاملة للكروموسوم س) وذلك بعد تكوينها داخل الخصية ثم إتاحة الفرصة للنوع الأول منها لإخصاب البويضة دون النوع الثاني.
وقد تمت مثل تلك العمليات في حيوانات التجارب تمهيداً لاستخدامها بعد نجاحها في حالة الإنسان ولكن لم يكتب لتلك المحاولات أي نجاح على الإطلاق، بل كان مصيرها الفشل التام، كما فشلت من قبل جهود غيرهم من العلماء في تخليق المادة الحية (البروتوبلازم) من مكوناتها البسيطة التي يتوافر وجودها في كل مكان على سطح الأرض