<div align="center">
الإيجابية من منظور مختلف
إن الإيجابية هي الطاقة التي تشحذ الهمة، وتذكي
الطموح، تدفع إلى البذل والعمل، واستثمار الواقع...
الإيجابية دافع نفسي واقتناع عقلي وجهد بدني
لا يكتفي بتنفيذ التكليف بل يتجاوز إلى المبادرة
في طلبه أو البحث عنه، ويزيد على مجرد الأداء
الإتقان فيه، بل يضيف إلى العمل المتقن روحاً
وحيوية تعطي للعمل تأثيره وفعاليته، دون أن
يخالطه جفاف أو جفاء أو تبرم أو استثقال.
واللغة تسعفنا ، إذ تعطينا معاجمها دلالة الإلزام
والتحمل في معنى الإيجاب " أوجبه إيجاباً أي
لزم وألزمه" [ لسان العرب 1/793 ]،والإيجاب
– كما في التعريفات ص 59- " إيقاع النسبة "،
والمراد أن ما ينسب إلى أمر أو شيء بالإيجاب ؛
فإنه يقع، وهو - أي الإيجاب - " أقوى من الاقتضاء
" لأن دلالته في اللزوم والحتم أقوى، والفقه يعضد
المعنى" فالإيجاب أن يقول: بعتك أو ملكتك أو لفظ
يدل عليهما، والقبول أن يقول اشتريت أو قبلت
ونحوها" [المغني 3/501،502] فالإيجاب هنا
الأمر الذي يترتب عليه عند القبول اللزوم والوجوب .
ومن هنا فالإيجابية تتضمن الإلزام والالتزام ،
ومآلها إلى الحتم والوجوب، وتأنيثها – فيما أرى
- أنه لداعي الصفة، فالإيجابية صفة كالأريحية
والاستقلالية والعصامية، ومعناها في المفهوم
المعاصر يتسع ليكون دالاً على إيجاب المرء
على نفسه ما ليس بواجب ابتداءً، لما عنده من
همة عالية، ورغبة عارمة في البذل.
وللإيجابية – عند المسلم عموماً– ركائز تقوم
عليها، ودعائم تستند إليها، فالمسلم حامل رسالة
ومبلغ أمانة، ولا يتصور من حامل رسالة نوم
ولا كسل إن أدرك رسالته وعرف مهمته، وتأمل
الخطاب الرباني القرآني للمصطفى - صلى الله
عليه واله وسلم - في أوائل دعوته { يا أيها المدثر،
قم فأنذر } أي " شمّر عن ساعد العزم وأنذر الناس
" [تفسير ابن كثير 4/440]، "إنه النداء العلوي
الجليل للأمر العظيم الثقيل … نذارة هذه البشرية
وإيقاظها، وتخليصها من الشر في الدنيا، ومن النار
في الآخرة وتوجيهها إلى طريق الخلاص قبل فوات
الأوان "[الظلال 6/3754] . " قم فما يُعهد من
صاحب رسالة نوم قم للأمر العظيم الذي ينتظرك،
والعبء الثقيل المهيأ لك، قم للجهد والنصب والكد
والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة
"[الظلال 6/3744]، إن هذا النداء كان
" إيذاناً بشحذ العزائم، وتوديعاً لأوقات النوم
والراحة، والتلفف بأثواب الهجوع والتلبث.
الإيجابية قوة روح وعزم ، قوة جد وهم ،
وقوة عمل وكدح ، الإيجابية صفة " للرجل
المقبل على الدنيا بعزيمة وصبر ، لا تخضعه
الظروف المحيطة به مهما ساءت ، ولا تصرفه
وفق هواها، إنه هو الذي يستفيد منها ، ويحتفظ
بخصائصه أمامها كبذور الأزهار التي تطمر
تحت أكوام السبخ،ثم هي تشق الطريق إلى أعلى
مستقبلة ضوء الشمس برائحتها المنعشة ، لقد
حولت الحمأ المسنون ، والماء الكدر إلى لون بهيج
وعطر فواح .. إنه بقواه الكامنة وملكاته المدفونة
فيه ، والفرص المحدودة والتافهة المتاحة له
يستطيع أن يبني حياته من جديد "[ جدد حياتك
ص 13]، فالإيجابية مقاومة تغيرية نحو الأفضل
تستثمر القليل فتنميه ، وتحول المسار فتقود
المسيرة ، ومن هنا فهي دعوة رفض للاستسلام
للواقع وتبرير القعود ، وانتظار الأقدار ، ومن
هنا نهتف بكل سلبي قائلين :{ قم فأنذر }.</div>