عرض مشاركة واحدة
قديم 19-11-2004, 06:19 PM   #1 (permalink)
الناقد
غير فاعل
 
الصورة الرمزية الناقد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2004
الدولة: A'ALI
المشاركات: 580
الناقد is on a distinguished road
افتراضي

إعجاز القرآن الكريم

أي نبّي صاحب رسالة يريد أن ينفذ بها إلى قلوب الناس وعقولهم لكي يرشدهم ويهديهم إلى طريق الله , لا يمكنه أن يحقق هذا الهدف ما لم يكسب إيمان الناس بنبوته واعتقادهم بصدق دعواه لكي يستطيع أن يستلم زمام قيادتهم ويغذيهم برسالته ومفاهيمها ومبادئها .
والناس بطبيعتهم لا يؤمنون بدون دليل , فلا يمكن أن يدعوهم إلى الإيمان به وبرسالته ويكلفهم بذالك ما لم يقدم لهم الدليل الذي يبرهن على صدق دعواه وكونه رسولا من قبل الله . فكما لا نصدق في حياتنا الاعتيادية شخصا يدّعى تمثيل جهة رسمية مثلا ما لم يدعم دعواه بدليل على صدقه ونرفض مطالبته لنا بتصديقه دون برهان , كذالك لا يمكن للإنسان أن يؤمن برسالة النبّي ونبوته إلا على أساس الدليل .
والدليل الذي يبرهن على صدق النبّي في دعواه هو المعجزة , وهى أن يحدث النبّي تغييرا في الكون يتحدى به القوانين الطبيعية التي ثبتت عن طريق الحس والتجربة , فمثلا من أراد تسخين الماء يقوم بوضعه على النار فترتفع درجة حرارة الماء , فهو يطبق قانونا طبيعيا عرفة البشرية عن طريق التجربة الحسّيه وهو انتقال الحرارة من الجسم الحار إلي الجسم البارد الذي يجاوره . وأما من ادّعى انه يجعل الماء حارا من دون الاستعانة بأي طاقة حرارية وحقق ذالك فعلا فهو يتحدى قوانين الطبيعة التي عرفة بالحس والتجربة .
وكذالك أيضا من ابرأ مريضا بإعطائه مادة مضادة للميكروب الذي أمرضه يطبق قانونا طبيعيا يعرفه بتجربة , وأما من ابرأ المريض بدون أعطائه أي مادة مضادة فهو يتحدى قوانين الطبيعة التي عرفها الناس بالتجربة , ويحقق المعجزة . فإذا أتى النبّي بمعجزة من هذا القبيل كانت برهانا ودليلا على ارتباطه بالله . لان الإنسان بقدرته الاعتيادية لا يمكنه أن يغير في الكون شيئا إلا بالاستفادة من القوانين الكونية التي يعرفها عن طريق الحس والتجربة ,فإذا استطاع الفرد أن يحقق تغييرا يتحدى به هذه القوانين فهو إنسان يستمد قدرة استثنائية من الله الخالق , ويرتبط به ارتباطا يميزه عن الأخرين الأمر الذي يفرض علينا تصديقه إذا ادعى النبوة .

ومادمنا قد عرفنا أنّ المعجزة هي إن يحدث النبّي تغييرا في الكون يتحدى به القوانين الطبيعية فمن الميسور أن نطبق فكرتنا هذه عن المعجزة على ( القرآن الكريم ) الذي احدث تغييرا هائلا وثورة كبرى في حياة الإنسان لا تتفق مع المألوف والمجرب من القوانين الكونية للمجتمع .
فنحن إذا درسنا الوضع العالمي , والوضع العربي والحجازي بصوره خاصة , وحياة النبّي قبل البعثة ومختلف العوامل والمؤثرات التي كانت متوفرة في بيئته ومحيطه , ثم قارنا ذالك بما جاء به القرآن الكريم , من رسالة عظمى تتحدى كل تلك العوامل والمؤثرات , وما أحدثه هذا الكتاب من تغيير شامل وكامل وبناء لأمة تملك أعظم المقومات والمؤهلات , إذا لاحظنا كل ذالك وجدنا أنّ القرآن معجزة كبرى , ليس لها نظير لأنه لم يكن نتيجة طبيعية لتك البيئة المنخفضة بكل ما تضم من عوامل ومؤثرات , فوجوده إذا يتحدى القوانين الطبيعية ويعلو عليها , و هدايته وعمق تأثيره لا تفسره تلك العوامل والمؤثرات .

بعض أدلة إعجاز القرآن :
أولا : إنّ القرآن شع على العالم من جزيرة العرب ,ومن مكة بصوره خاصة , وهى منطقة لم تمارس أي لون من ألوان الحضارة والمدنية , التي مارستها مختلف المجتمعات الراقية نسبيا يومئذ , وكانت هذه أول المفارقات التي برهنت على أن الكتاب لم يجر وفق القوانين الطبيعية الاعتيادية , لأن هذه القوانين تحكم بأنّ الكتاب مرآة لثقافة عصره ومجتمعه , الذي عاشه صاحب الكتاب وتثقف فيه , فهو يعبّر عن مستوى من مستويات الثقافة في ذالك المجتمع , أو يعبر على أفضل تقدير عن خطوة إلى الأمام في تلك الثقافة , وأما أن يطفر الكتاب طفرة هائلة , ويأتي بدون سابق مقدمات وبلا إرهاصات , بثقافة من منوع أخر لا تمت إلى الأفكار ألسّائدة بصله وتستلهما , وإنما تقبلّها رأسا على عقب , فهذا ما لا يتفق مع طبيعة الأشياء في حدود التجربة التي عاشها الإنسان في كل عصر .
وهذا ما وقع للقرآن الكريم تماما فانه اختار أكثر المناطق والمجتمعات تأخرا وبدائية وتخلفا , وضيق أفق , وبعيدا عن التيارات الفلسفية والعلمية , ليفاجئ العالم بثقافة جديدة , كان العالم كله بحاجه إليها , وليثبت انّه ليس تعبيرا عن الفكر السائد في مجتمعة , ولا خطوة محدودة إلي الأمام , وإنما هو شيء جديد بدون سابق مقدمات .

وهكذا نعرف أنّ اختيار البيئة والمجتمع , كان هو التحدي الأول للقوانين الطبيعية التي تقتضى أن تولد الثقافة الجديدة في ارقي البيئات من الناحية الفكرية والثقافية والاجتماعية .

ثانيا : إنّ القرآن بشّر به وأعلنه على العالم فرد من أفراد المجتمع المكي , ممن لم ينل ما يناله حتى المكيون من ألوان التعليم والتثقيف , فهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب , وقد عاش بين قومه أربعين سنة لم يعرف عنه طيلة هذه المدة انه حاول التعلم أو سعى إليه .
(( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذا لارتاب المبطلون )) سورة العنكبوت 48.
(( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون )) سورة يونس 16 .
وهذا يعتبر تحديا أخر من القرآن للقوانين الطبيعية , إذ لو كان القرآن جاريا وفق هذه القوانين , لما كان من الممكن أنّ يجيء به فرد أمي لا يعرف القرأة ولا الكتابة , ولم يشارك حتى في ثقافة مجتمعة ,بالرغم من بساتطها , ولم يعرف عنه أي بروز في عالم اللغة بمختلف مجالاتها , برغم من كل هذا , جاء بكتاب بهر بروعته وحكمته وبلاغته أعاظم البلغاء والعلماء .
فهل رأيت في مجرى القوانين الطبيعة شخصا جاهلا بالطب لم يدرس عنه شيئا يتقدم بكتاب في الطب يبهر به عقول ألأطباء بما يضم من أسرار العلم وآياته ؟
وهل رأيت في مجراها شخصا لا يحسن أن يكتب في لغة ما , ولا يجيد شيئا من علومها يأتي بالرائعة التأريخية في حياة تلك اللغة , ويكشف عن إمكانيات أدبية هائلة في تلك اللغة لم تخطر على البال حتى يتصور الناس أنّه ساحر ؟
والواقع أن المشركين في عصر البعثة أحسوا بهذا التحدي العظيم وكانوا حائرين في كيفية تفسيره , ولا يجدون تفسيرا معقولا له وفق القوانين الطبيعية .
ولدينا عدة نصوص تأريخية تصور حيرتهم في تفسير القرآن وموقفهم القلق من تحديه للقوانين والعادات الطبيعية .
فمن ذلك أن الوليد بن المغيرة وهو احد وجهاء قريش , استمع للنبّي يوما وهو في المسجد الحرام وهو يقرأ القرآن فأنطلق إلى مجلس قومه بني مخزوم فقال : " والله لقد سمعت من محمّد كلاما ما هو من كلام الأنس ولا من كلام الجن وأنّ لهو لحلاوة وانّ عليه لطلاوة وانّ أعلاه لمثمر وأن أسفله لمعذق وانه ليعلو ولا يعلى " ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش : صبا والله الوليد والله ليصبأن قريش كلهم , فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه , فانطلق وأتى الوليد وجلس إلى جنبه حزينا , فقال له الوليد مالي أراك حزينا يا بن أخي ؟ فقال له :هذه قريش يصيبونك على كبر سنك , ويزعمون انك زينت كلام محمّد , فقام الوليد مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه , فقال لهم : تزعمون أنّ محمّد مجنون فهل رأيتموه يخنق قط ؟ فقالوا : اللهم لا , فقال : تزعمون أنّه كاهن , فهل رأيتم عليه شيئا من ذالك ؟ قالوا : اللهم لا ,فقال : تزعمون إنّه شاعر فهل رأيتموه ينطق الشعر قط ؟ قالوا : اللهم لا قال : تزعمون انّه كذاب , فهل جربتم عليه شيئا من الكذب ؟ فقالوا : اللهم لا فما هو إذن ؟ فغرق الوليد في الفكر ثم قال : ما هو إلا ساحر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه , فنزل قول الله سبحانه وتعالى (( إنّه فكّر وقدّر * فقتل كيف قدّر * ثمّ قتل كيف قدّر * ثمّ نظر * ثمّ عبس وبسر * ثمّ أدبر واستكبر * فقال إن هذا إلا سحر يؤثر)) سورة المدثر 18- 24.
وقد كان العرب يتباهون ويفتخرون بقوة بلاغتهم , ويعرضون ذلك في أنديتهم ومجالسهم , ولما رأوا تحدى القرآن لبلاغتهم أرادوا أن يتحدوه ويعرضوا أقوى ما عندهم من البلاغة , لكي يفحموا به النبّي محمد , ومن ذلك ما رواه المؤرخون من أن المشركون والكفار أرادوا أن يتعاطوا معارضة القرآن , فعكفوا على لباب البرّ , ولحوم الضأن , وسلاف الخمر أربعين يوما لتصفو أذهانهم , فلما اخذوا فيما أرادوا وعرضوا كل ما عندهم من البلاغة على النبّي محمّد نزل حينها قول الله تعالى في قصة النبّي نوح (( وقيل يا أرض ابلعي مآءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين )) سورة هود 44 .
فلما سمعوا هذه الآية قال بعضهم لبعض , هذا كلام لا يشبهه شيء من الكلام ولا يشبه كلام المخلوقين , وقالوا بل هذا سحر , وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا .
وقد قال الشيخ الطبرسى في (مجمع البيان) عن هذه الآية : إن فيها من بدائع الفصاحة وعجائب البلاغة ما لا يقارب كلام البشر ولا يدانيه منها انه خرج مخرج الأمر , وإن كانت الأرض والسماء من الجماد ليكون أدل على الاقتدار , ومنها حسن تقابل المعنى وائتلاف الألفاظ , ومنها حسن البيان في تصوير الحال , ومنها الإيجاز من غير إخلال إلى غير ذلك مما يعلمه من تدبره وله معرفة بكلام العرب ومحاوراتهم .
ومن الشواهد أيضا على براعة القرآن وإبداعه في البلاغة , هذه الآية وهي في معنى ومفهوم القصاص , (( ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلّكم تتقون )) سورة البقرة 179 .
وقد اجمع المفسرون على أنّ هذه الآية من ابلغ آيات القرآن الكريم , واليكم ما قاله العلامة السيد الطباطبائى في تفسيره ( الميزان ) : وقد ذكروا أن الجملة , أعنى قوله تعالى (( ولكم في القصاص حياة )) على اختصارها وإجاهزها وقلة حروفها وسلاسة لفظها وصفاء تركيبها من أبلغ آيات القرآن في بيانها , وأسماها في بلاغتها فهي جامعة بين قوة الاستدلال وجمال المعنى ولطفه , ورقة الدلالة وظهور المدلول , وقد كان للبلغاء قبلها كلامات في القتل والقصاص تعجبهم بلاغتها وجزالة أسلوبها ونظمها كقولهم : " قتل البعض إحياء للجميع " , وقولهم : " أكثروا القتل ليقتل القتل " , وأعجب من الجميع عندهم قولهم : " القتل أنفى للقتل " , غير أن الآية أنست الجميع ونفت الكل (( ولكم في القصاص حياة )) فإن الآية اقل حروفا وأسهل في التلفظ , وفيها تعريف القصاص وتنكير الحياة ليدل على أن النتيجة أوسع من القصاص وأعظم , وهى مشتملة على بيان النتيجة وعلى بيان المصلحة وهي الحياة .
وفى النهاية قال المفسر : هذه وجوه من لطائف ما تشتمل عليه هذه الآية , وربما ذكر بعضهم وجوها أخرى يعثر عليها المراجع غير أن الآية كلما زدت فيها تدبرا زادتك في تجلياتها بجمالها وغلبتك بهور نورها .

ثالثا : إن القرآن الكريم يمتد بنظره إلى الغيب المجهول في الماضي البعيد وفي المستقبل على السواء , فهو يقص أحسن القصص عن أمم خلت , وما وقع في حياتها من عظات وعبر , وما اكتنفها من مضاعفات , يتحدث عن كل ذالك حديث من شاهد الأحداث كلها وراقب جريانها , وعاش في عصرها بين أصحابها , قال الله تعالى (( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين )) هود 49 . وقال (( وما كنت بجانب الغربيّ إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين * ولكنّا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنّا كنا مرسلين )) القصص 44 - 45 . وقال (( ذالك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيّهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون )) آل عمران 44 .
وكل هذه الآيات تؤكد القرآن للقوانين الطبيعية في استيعابه لتلك الأحداث , وإحاطته بالماضي المجهول , إذ كيف يمكن بحكم القوانين الطبيعية أن يتحدث شخص في كتاب عن أحداث أمم في الماضي السحيق لم يعشها ولم يعاصرها ؟
وقد أحسّ المشركون بهذا التحدي أيضا (( قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا )) الفرقان 5 . وكانت حياة محمّد ردا مفحما لهم , فقد عاش في مكة ولم تتهيأ له أية فرصة لدراسة أساطير الأولين , أو كتب العهدين التوراة والإنجيل , ولم يخرج من المنطقة إلا مرتين , سافر فيهما إلى الشام , إحداهما في طفولته مع عمه أبو طالب ولقي فيها بحيرا الراهب , وهو ابن تسع سنين , فقال هذا الراهب لعمّه : " سيكون لبن أخيك هذا شأن عظيم " . والأخرى في تجارة خديجة وهو شاب وكان بصحبته ميسرة غلام خديجة , ولم يتجاوز محمّد سوى مدينة بصرى في كلتا الرحلتين القصيرتين , فأين تأتّى للنبّي أن يدرس التوراة أو يكتب أساطير الأوّلين .
وكما كان القرآن محيطا بالماضي , كذالك كان محيطا بالمستقبل , فكم من خبر مستقبل كشف القرآن عن حجابه فتحقق وفقا لما أخبر به , ورآه المشركون , ومن هذا القبيل إخبار القرآن بانتصار الروم على الفرس في بضع سنين , والبضع هي فتره من 3 إلى 10 سنوات , إذ قال تعالى (( غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين )) الروم 2- 4 . وقد اخبر القرآن بذلك على أعقاب هزيمة فضيعة منى بها الروم , وانتصار ساحق سجّله الفرس عليهم , ففرح المشركون بذالك لأنهم رأوا فيه انتصار للشرك والوثنية على رسالات السماء , نظرا إلى أن الفرس المنتصرين كانوا وثنيين والروم كانوا نصارى , فنزل القرآن يؤكد خبرا غيبيا من هذا القبيل ويربط كرامته ومصيره بالغيب المجهول وهو يهدد مستقبله بالفضيحة إذا ظهر كذبه في نبوءته ؟ وبعد عدة سنين قليله تجدد القتال بين الفرس والروم وانتصر الروم على الفرس وهزموهم شر هزيمة , وقد رأى المشركون صدق نبوءة القرآن وإخباره الغيبي .
وهكذا نجد أنّ القرآن يتحدى الغيب في الماضي والمستقبل على السواء , ويتحدث بلغة المطمئن الواثق , الذي لا يخالجه شك فيما يقوله , وهذا ما لا يقدر عليه إنسان أو كتاب إنسان وفقا للقوانين الطبيعية .










الناقد غير متصل   رد مع اقتباس