بسم الله الرحمن الرحيم
قرأنا ما نشرته الصحافة المحلية من تصريحات لوزير العمل الدكتور مجيد العلوي، والبيان الذي ألقاه أمام لجنة القضاء على كافة أشكال التمييز العنصري في جنيف، ومن ضمنها أن البحرين لم تشهد أي نوع من أشكال التمييز لا في تاريخها الحاضر ولا الماضي. وقوله بأنه "ليس محظورا على أي بحريني التملك في مناطق معينة". وقبل تصريحات الوزير العلوي قرأنا إنكار وجود التمييز إنكارا مطلقا على لسان محمد الفيحاني ممثل البحرين في الأمم المتحدة.
وقد استغربنا أيما استغراب من هذه التصريحات الخالية عن الحقيقة والتي طغت عليها لغة التضليل المتعمد. فالتمييز في البحرين على أكثر من صعيد بات كالشمس المشرقة في وضح النهار، لا ينكرها إلا من غشي على بصره أو بصيرته، وهو متفش في البلد تفشي السرطان في الجسد ويكبر ويستشري يوما بعد يوم. لذا كانت هذه التصريحات مدعاة للسخرية والتهكم من قبل العديد من النشطاء والكتاب.
تأتي هذه التصريحات من الوزير وهو يعلم أن مملكة البحرين هي من الدول الموقعة على إعلان الأمم المتحدة للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري الذي يحرم أي شكل من أشكال التمييز بسبب اللون أوالدين أو العرق أو اللغة حسب اتفاقية عام 1965. ورغم أننا نتفق معه في قوله "أن النظام الدستوري والقانوني للمملكة وأحكام الشريعة الإسلامية التي تعتبر مصدرا رئيسيا للتشريع، تؤكد جميعها على سواسية البشر"، غير أننا نتساءل هل يصح من الوزير ادعاءه أن حكومة البحرين قد التزمت بتطبيق اتفاقية 1965 والنظام الدستوري والقانوني للبحرين؟ ألم تخرق السلطة خرقا صارخا المادة 18 من الدستور وتضرب بها عرض الحائط؟ كيف يليق أن تدعي الحكومة التزامها وهذا وضع قوات دفاعنا المسلحة بجيش من الأجانب وإبعاد قسري ظالم لأبناء طائفة معينة من أبناء الوطن؟ وماذا عن حال التمييز الوظيفي القبيح في وزارة الداخلية؟ وهل غفل الوزير أو تغافل عن قرار الديوان الملكي بمنع أي نوع من السكن أو التملك الجديد في مناطق الرفاعين على أساس طائفي وإثني؟
ألم يتم استبعاد أبناء طائفة محددة من الوظائف الهامة رغم أغلبيتهم في المجتمع البحريني؟ أينكر فرز الوظائف والمناصب العليا، والعطاءات، وفي طلبات الإسكان وقروض الإسكان، وفي البعثات على أسس من المحسوبية الطائفية والفئوية والقبلية؟ وبماذا يعلل الوزير الاستبعاد إلى درجة كبيرة لأبناء طائفة من السلك الدبلوماسي وسلك القضاء المدني، ومن وزارة الإعلام ووزارة الخارجية، ومن دواوين القيادات العليا للبلاد، ومن الأجهزة الإدارية للمجلسين، ومن المؤسسة العامة للشباب والرياضة والجهاز المركزي للإحصاء؟ وإن أنكر كل ذلك فهل ينكر إمعان السلطات في تكريس حالة التمييز بفرز طائفي بغيض للدوائر الانتخابية التي تعد منطلقا للمجالس الدستورية وبوابة لتطبيق المشروع الإصلاحي؟
إن لم يكن سعادة الوزير مطلعا، ولا نخاله كذلك، فإننا مستعدون أن نثبت له بالأرقام الموثقة عمق التمييز الذي يتعرض له شريحة كبيرة من المواطنين على مستوى المواطنة وحرية العبادة ومستوى التكسب وحق تسـنم المواقع الإدارية المختلفة. فقد بلغ السيل الزبى. وبحق، إن أكبر سبب لمشاكلنا في العهد السياسي الجديد سواء كانت البطالة أو التجنيس السياسي أو التعليم أو الإسكان هو هذا التمييز الطائفي والقبلي والإثني البغيض.
إننا نرى في هذه التصريحات النافية على المستوى الرسمي، وبهكذا إطلاق، محاولات رخيصة لتغييب الحقائق الدامغة ونفي للمسلمات والبديهيات التي يدرك أبعادها القاصي والداني في هذا البلد، ومثل هذا الإعلام وهذه التصريحات لا تختزن في عمقها الجدية الموضوعية ولا تستحق جدية واستنفاراً أكبر قبالها لما تمثله من استنزاف لمقدرات المعارضة وإلهاء لها عن برامجها وحركتها في اتجاه استرجاع الحقوق الدستورية.
ونذكر سعادة الوزير بتصريحه بتاريخ 18/06/1999م في برنامج "أكثر من رأي" بقناة لجزيرة مستنكراً: "لماذا لا تعطى الحرية الأكاديمية لإجراء دراسات حتى يستفيد منها صاحب القرار في بلداننا فيبني قراره على أسس علمية صحيحة؟" ونأمل من الوزير أن يتيح الفرصة أمام المنظمات المحلية والدولية ومعاهد البحوث المحايدة لتقوم بدراسة علمية وموضوعية بشأن التمييز في البحرين حتى تبنى بعد ذلك التصريحات على أسس علمية صحيحة، ولتعط الجمعيات الأهلية في البحرين كامل الحرية في دخول الوزارات والمؤسسات الرسمية ولتفتح لهم كل الملفات بشفافية حتى نتأكد من أن إنكار الوزير وشعار الحكومة بـ"لا للتمييز" صحيحة ولا تحتاج إلى نقاش.
إننا في جمعية الوفاق الوطني الإسلامية نرى أن التمييز الطائفي والفئوي والقبلي قد وصل حدا لا يمكن نكرانها أو السكوت عنها، وهو يمثل صورا قاتمة وسحبا سوداء لن تنقشع عن سماء بحريننا العصرية إلا بالتطبيق الكامل والصريح للمواد الدستورية والاتفاقيات الدولية في هذا الشأن.
جمعية الوفاق الوطني الإسلامية
27 محرم 1426 هـ، 8 مارس 2005م