بسم الله الرحمن الرحيم
ولادة الامام الجواد علية السلام
ا
لحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد واله الطاهرين الإمام الجواد (عليه السلام) ولادة الإمام الجواد ( عليه السلام )
كان قد مرَّ على عمر الإمام الرضا ( عليه السلام ) - أبو الإمام الجواد ( عليه السلام ) – أكثر من أربعين سنة ، لكنه ( عليه السلام ) لم يُرزق بولد .
فكان هذا الأمر مُدعاة لقلق الشيعة ، لأنها تعتقد بأن الإمام التاسع سيكون ابن الإمام الثامن .
ولهذا كانوا ينتظرون بفارغ الصبر أن يَمُنَّ الله عزَّ وجلَّ على الإمام الرضا ( عليه السلام ) بولد ، حتى أنَّهم في بعض الأحيان كانوا يذهبون إلى الإمام ( عليه السلام ) ويطلبون منه أن يدعو الله سبحانه بأن يرزقه ولداً ، وهو ( عليه السلام ) يُسلِّيهم ، ويقول لهم :
( إنَّ اللهَ سوف يَرزُقني ولداً يكون الوارث والإمام من بعدي ) .
جاء في ( مناقب آل أبي طالب ) لابن شهر آشوب :
تروي السيدة حكيمة بنت أبي الحسن موسى بن جعفر كيفية المولد العظيم ، وما لازَمَتْه من الكرامات ، فتقول :
لما حضرت ولادة أم أبي جعفر ( عليه السلام ) دعاني الإمام الرضا ( عليه السلام ) فقال : ( يا حَكيمة ، اِحضَري ولادتَها ) .
وأدْخَلَني ( عليه السلام ) وإيّاها والقابلة بيتاً ، ووضعَ لنا مصباحاً ، وأغلق الباب علينا .
فلما أخذها الطلق طَفئَ المصباحُ ، وكان بين يديها طست ، فاغتممتُ لانطفاءِ المصباحِ ، فبينما نحن كذلك إذْ بَدْر أبو جعفر ( عليه السلام ) في الطست ، وإذا عليه شيءٌ رقيق كهيئة الثوب ، يسطع نوره حتى أضاء البيت فأبصرناه .
فأخذتُه فوضعتُه في حِجري ، ونزعتُ عنه ذلك الغشاء ، فجاء الإمام الرضا ( عليه السلام ) وفتح الباب ، وقد فرغنا من أمره ، فأخذه ( عليه السلام ) ووضعه في المهد وقال لي : ( يَا حَكيمة ، الزمي مَهدَه ) .
فلما كان في اليوم الثالث رفع ( عليه السلام ) بصره إلى السماء ، ثم نظر يمينه ويساره ، ثم قال ( عليه السلام ) :
( أشهدُ أنْ لا إِلَه إلاَّ الله ، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً رسولُ الله ) .
فقمتُ ذعرة فزِعةً ، فأتيتُ أبا الحسن ( عليه السلام ) فقلت : سَمِعْتُ مِنْ هذا الصبي عَجَباً .
فقال ( عليه السلام ) : ( ومَا ذَاكَ ) ؟
فأخبرتُهُ الخبر .
فقال ( عليه السلام ) : ( يَا حَكيمة ، مَا تَرَوْنَ مِنْ عجائبهِ أكثر ) .
وأخيراً ولد الإمام محمد الجواد ( عليه السلام ) في العاشر من شهر رجب ، في سنة ( 195 هـ ) ، وقد سُمِّي بِـ( مُحَمَّد ) ، وكُنيتُه ( أبو جَعفَر ) .
وأشاعت ولادته ( عليه السلام ) الفرح والسرور بين أوساط الشيعة ، ورسَّخت الإيمان في قلوبهم ، وأزالَتِ الشَّكَّ الذي دخل قلوب البَعضِ مِنهُم .
إمامة الإمام الجواد ( عليه السلام )
إنَّ الإمامة كالنبوة ، موهِبَة إلهيَّة يَمنحُها الله سبحانه لِمَنْ هو أهلٌ لها من عِبَاده المُصْطَفين ، ولا دَخلَ للعُمْر في ذلك .
ولعلَّ من يستبعد نبوَّة وإمامة الطفل الصغير ، أو يتصوَّرها غير ممكنة ، فإنه قد خلط بين الأمور الإلهيَّة والشؤون العاديَّة ، وتصوَّرَها بشكل واحد .
بينما الواقع ليس كذلك ، فالإمامة والنبوَّة مرتبطة كل منهما بإرادة الله عزَّ وجلَّ ، وهو يمنحها للعباد الذين يعلم - بعلمِهِ اللاَّمحدود - أهليَّتهم لِهَذَا المَقَام الرفيع .
فقال الله تعالى : ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) مريم : 11 .
وقال تعالى : ( قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) مريم : 29 - 30 .
وبناءً على ذلك لا مانِعَ من أن يعطي الله سبحانه جَميعَ العلوم لطفلٍ صغير ، مثل النبي يَحيَى أو النبي عيسى ( عليهما السلام ) كما في النبوَّة .
أو لصبيٍّ في الثامنة أو التاسعة من عمره ، كما في إمامة الإمام الجواد ( عليه السلام ) .
فتولَّى الإمام الجواد ( عليه السلام ) الإمامة ، بعد استشهاد أبيه الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، وبالطبع كان استلامه للإمامة بِتَصريح ونص الأئمة السابقين من أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وبتعيين مُسبَقٍ من قِبَل أبيه ( عليه السلام ) .
وبسبب صِغَر سِنِّ الإمام الجواد ( عليه السلام ) تعرَّض للاختبار والامتحان من قبل الأعداء والجُهَّال ، إلاَّ أنَّ تجلِّي العلوم الإلهية على يده ( عليه السلام ) كان باهراً ورائعاً ، مِمَّا جعل أعداؤه يُذعِنون ويقرُّون له بالعلم .
ومن القصص التي تروى في هذا المجال هي ما عن يحيى بن أكثم ، قاضي سامراء ، قال : بَيْنَا أنا ذات يوم دخلت أطوفُ بقبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فرأيت محمد الجواد ( عليه السلام ) يطوف به ، فناظرته في مسائل عندي ، فأخرجها إلي ، فقلت له : والله إني أريد أن أسألك مسألة وإني لأستحي من ذلك .
فقال ( عليه السلام ) لي : ( أنَا أُخْبِرُكَ قَبلَ أنْ تَسْألَني ، تَسْألُني عَنِ الإمَامِ ؟ ) .
فقلت : هو والله هذا .
فقال ( عليه السلام ) : ( أنَا هُوَ ) .
فقلتُ : ما هي العَلامة ؟
فكان في يده ( عليه السلام ) عَصَا ، فنطَقَتْ وقالَتْ : إنَّ مولاي إمَامُ هَذَا الزَّمَان ، وهو الحُجَّة .
ومن القصص التي تروى في هذا المجال أيضاً هي ما قال القاسم بن عبد الرحمن – وكان زيديًّ – : خرجتُ إلى بغداد ، فَبَيْنَا أنا بها إذ رأيت الناس يُسرِعون في المشي ، ويتطلَّعون إلى رجل ويقون .
فقلت من هذا ؟
فقالوا : الإمام الجواد ( عليه السلام ) .
فقلت : والله لأنظرنَّ إليه ، فطلع على بغلة ، فقلت : لعن الله أصحاب الإمامة حيث يقولون : إنَّ الله افترض طاعة هذا .
فَعَدِلَ الإمامُ ( عليه السلام ) إليَّ فقال : يا قاسم : ( أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ) القمر : 24 .
فقلت في نفسي : سَاحِرٌ والله !! .
فقال ( عليه السلام ) : ( أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ) القمر : 25 .
فانْصرَفْتُ وقلتُ بالإمامة ، وشَهدتُ أنَّه حُجَّة الله على خلقه ، واعتقدتُ .
موقف الإمام الجواد ( عليه السلام ) من الدولة العباسية
عندما كان الإمام الجواد ( عليه السلام ) يعيش في المدينة المنورة كان يحتلُّ موقعاً قيادياً ، ومقاماً رفيعاً ، في نفوس الأمة المسلِمَة هناك ، باعتبارِه الخَلَف الصالح ، والممثِّل الحقيقي لإمامة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
لذلك نَجِد الخليفة المأمون يستقدم الإمام الجواد ( عليه السلام ) من المدينة المنوَّرة في عام ( 211 هـ ) ، محاولةً منه لاحتِواء حركَتِه الجماهيرية في مجالَي الفكر والسياسة .
ولكنَّ الإمام ( عليه السلام ) كان على العكس من ذلك ، فقد كان يمارس نشاطه بدِقَّة وإتقان ، ويتحرك في كل مجال تتوفر له فرصة الحركة فيه .
فيرفض ( عليه السلام ) البقاء في بغداد ليكون بعيداً عن حِصَار السلطة ومراقبتها ، ويعود إلى المدينة المنورة ، مَسْقط رأسه ، ودار إقامة آبائه ، ومركز العلم والإشعاع الفكري ، ليُسقِط الخُطَّة ، ويحقق الأهداف المرتبطة به ، كإمام للأمة ، ورائِدٍ من رُوَّاد الشريعة المقدسة .
وقد سَجَّلت لنا كتب التاريخ القلق العباسي من شخصية الإمام الجواد ( عليه السلام ) من خلال الحوار الذي جَرى بين أعمدة الأسرة العباسية والخليفة المأمون ، حين أقدم على تَزويجِهِ من ابنَتِه أم الفضل .
وبعد انتهاء حياة المأمون بدأت حياة المعتصِم ، فكان كَسَلَفِهِ ، يخافُ من الموقع القيادي الذي يحتلُّه أهل البيت ( عليهم السلام ) ، بين صفوف الأمة .
لذلك قام المعتصِمُ باستدعاء الإمام ( عليه السلام ) من المدينة المنوَّرة إلى بغداد في عام ( 219 هـ ) .
وذلك ليكون على مقربة من مركز السلطة والرقابة ، ولغرض الحَدِّ من دورِ الإمام ( عليه السلام ) السياسي والعلمي ، وبالفعل تَمَّ استقدامُهُ إلى بَغداد ، ولم يَبْقَ فيها إلاَّ مُدَّةً قصيرة .