السلام عليكم ورحمة الله...
تحية عطرة،،
~:: لقاء مع بهلول::~
أثناء تأليفي لكتاب (قصص وخواطر من أخلاقيات علماء الدين) التقيت بشخصيات كثيرة إلى جانب مراجعتي للمصادر المكتبية فكنت اسمع من بعضهم وأقرأ في بعض تلك المصادر عن الشيخ محمد تقي الكَنابادي المشتهر بـ( الشيخ بهلول) فتشوقت للتعرف على بعض التفاصيل عن حياته التي بالطبع تكون مليئة بالدروس وغنية بالعبر وجذابة للقرّاء إلا أن الطريق للقاء بالشيخ كان مجهولا أمامي إذ لم يكن احد ممن أعرفهم يعرف عنوانه فكل من أسأله يقول: رغم كبر سنه لا يجلس مكانا واحداً انه دائم التنقل بين مشهد وطهران وقم وغيرها من المدن ولعله يسافر إلى الخارج وقيل انه يمتلك القدرة على طي الأرض فهو ليس بحاجة إلى وسائل نقل مادية!
مضت فترة وأنا أترصد ما يوصلني إليه حتى كانت ليلة 25 رجب سنة 1414) وكنت مدعوّاً منزل الخطيب الحسيني سماحة السيد جواد القزويني في مدينة مشهد المقدسة للاستماع إلى قراءة تعزية بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام الكاظم (ع) فبينما كنت جالسا مقابل مكتبة السيد( صاحب الدار) إذ وقع نظري على كتاب بالفارسية عنوانه (خاطرات سياسي بهلول) فطلبته فوراً من السيد وصرت مشدوداً إليه أتصفح فيه من تحت العباءة وما تركته إلا حينما بدأ الخطيب في قراءته حول مصيبة الإمام الكاظم(ع).
وبعد المجلس قلت للسيد القزويني (دام ظله): هل يمكنني استعارة هذا الكتاب؟
فقال: لا مانع في غيره أيضا، المكتبة تحت تصرفك.
شكرته على تفضّله فأخذت الكتاب إلى المنزل وكانت سهرتي معه جميلة وممتعه فكنت أطالع فيه بولع وشوق وأترجم ما أراه مناسبا لكتابي (قصص وخواطر) ولما انتهيت من بعد يومين وجدت نفسي أمام ترجمة أكثر من ثلثي مقاطع الكتاب وليس بيني وبين ترجمته الكاملة إلا مسافة شي أقل من ثلث الطريق! فقلت في نفسي : لم لا أواصل بقية الطريق ليكون الكتاب لأول مره ينشر باللغة العربية؟ سيّما انه يحتوي على مضامين تاريخية- عقائدية- أخلاقية وجهاد نافعة قد جسدها مؤلفه من سلوكه قبل تأليفه وهذا ممكن القوة فيه.
وكان دافعي الذي وقف خلف هذا القرار حتى إكمال الترجمة- مضافا إلى ذلك- هو المساهمة بعض الشيء في معالجة الانهيار النفسي الذي أصيب به بعض ممن كانوا بالأمس القريب يدرَّسون غيرهم دروس التحدي للصعوبات أو يوصونهم بالحكمة في التصرف! فهذا الشيخ حجة علينا جميعا في الصبر والاستقامة وأسوة في عزة النفس والإيثار والشجاعة وقدوة في الزهد والمثابرة من أجل العقيدة والقيم الأخلاقية النبيلة.
ومن حسن التوفيق وغريب الصدف إني ذات يوم في ساعة من الظهر حيث كنت خارجا من إحدى محلات مشهد المقدسة وإذا بشيخ طاعن في السن سألني عن عنوان وبينما أحاول مساعدته ذكرتني وجنات وجهه بصورة الشيخ بهلول أخذت له قبل عشرين عاما مع المرجع الراحل آية الله العظمى السيد عبدالله الشيرازي رحمة الله كنت قد رأيتها قبل فترة في كتاب عن حياة السيد فسألت الشيخ فوراً: ما اسمك الكريم؟
قال: يقولون لي بهلول!
فقلت فرحاً: الحمد لله لقد وصلت إليك بعد بحث طويل.
قال: من أنت؟
قلت: طالب من البحرين.
قال: أهلا وسهلا بك وماذا تريد مني؟
قلت: إني مترجم مذكراتك إلى اللغة العربية أريد الجلوس معك للتحدث في هذا الأمر والتعرف على جوانب أخرى من حياتك فهل توافقني على الذهاب إلى منزلي ألان؟ فهذه سيارتي على يمينك.
قال: لا مانع ولكني مرتبط بعدة مواعيد أخرى بعد ساعة فوقتي ضيق.
قلت أوصلك إلى موعدك في الساعة التي تريد.
قال: حسنا.
وفي السيارة أتحفنا وأثنين من كرام أهل البحرين ببعض عجائبه إذ أخذ مثلا يقرأ لنا من محفوظاته ما ألفه للفكاهة عكس دعاء الندبة وهو عبارة عن تقليب معاني الجمل بوزن كلمات هذا الدعاء الشريف والعجيب انه مع كبر سنه كان يقرأ ذلك حفظاً وبلا تقطع كما يقرأ أحدنا دعاء الندبة على الكتاب مباشرة بلا توقف.
وعندما أحضرت له طعاما من رز ومرقة لحم أبى أن ينظر إليه وقال لم آكل في حياتي هذه الأطعمة أبداً.
قلت: فماذا أحضر لك إذن؟
قال: الخبز واللبن.
أحضرت له ذلك ثم بعد دقائق أحضرت له أيضا بعض الفواكة فوضع الخبز واللبن جانبا وأخذ يأكل من الفواكة وهو يقول: إذا حضرت الفاكهة أرخص الخبز واللبن لان في الفاكهة والخضروات فوائد لا تجدوها في اللحومات أبداً وفي الألبان إلا قليلا أنا الآن بهذا السن تجدني نشيطاً هكذا لأني ملتزم بنظام عذائي لا مكان للحومات فيه رغم ذاكرتي القوية لا أتذكر إني مرضت طول عمري مرضا أراجع فيه الطبيب أنا طبيب نفسي، الوقاية خير من العلاج وإذا اعترتني وعكة خفيفة كافحتها بالأعشاب.
ثم ذكر الشيخ سفره قبل شهرين إلى السودان قائلاً: سمعت أن بعض علماء السنة هناك يشيعون بين الإخوة السودانيين أن الله لا يوفق الإنسان الشيعي لحفظ القران الكريم لأنه يحمل على صحابة النبي (ص) وينتقدهم!
فسافرت إلى السودان ودعوتهم إلى الحوار في جلسة مفتوحة يحضرها العموم ففي ذلك الجمع الكبير قلت لهم: أنا مسلم من شيعة أهل بيت النبي محمد (صلوات الله علية وعليهم أجمعين) أنتقد بعض صحابة الرسول الذين لم يحسنوا الصحبة ولم يفوا بوصية الرسول (ص) في عترته وأهل بيته ولقد انتقدهم القران كثيرا والتاريخ أثبت مثالبهم وكتبكم سجلتها بصراحة فأعطيتهم الآيات ودللتهم على كتبهم برقم الصفحات ثم قلت بلغني إنكم تقولون بان الشيعة لا يوفقهم الله لحفظ القران بسبب موقفهم من أولئك الصحابة، أقول أنا شيعي أباً عن جد حافظ للقران كله منذ صغري اسألوني من أية سورة وآية تشاؤون!
فأمطروني بالأسألة وأجبتهم بكل ترحيب فما من آية طلبوا مني إكمالها إلا أكملتها لهم وأعطيتهم رقمها واسم السورة فكانوا يراجعونها فيجدونها كما أقول.
كانت الدهشة مشهودة على وجوههم وبعد تفنيد الأكاذيب التي يرمينا بها الذين لا يتقون الله قلت لأولئك العلماء لقد سألتموني عشرات الأسئلة وأجبت والآن أسألكم سؤالاً واحداً فقط!
أخبروني عن كلمة (يَتَّقهِ) والتي يقرؤها الزمخشري (يَتَّقِهِ) بتحريك القاف وهي الكلمة الوحيدة التي جاءت في القران الكريم أين محلها؟؟
سكتوا ولم يجدوا جوابا فقلت: إنها وسط سورة النور آية رقم 52 في قوله تعالى : (ومن يُطِع اللهَ ورسوله ويخشَ الله وَيَتَّقهِ فاُولئك هُمُ الفائزون) ثم خطبت فيهم : أيها المسلمون اتقوا الله في إخوانكم ما ذنبنا نحن الشيعة غير إننا أطعنا الله والرسول في ولاية (أهل البيت) الذين طهرهم الله من كل رجسٍ تطهيراً ذلك لان في ولايتهم خشية الله وتقوى القلوب والفوز الأكبر أهذه جريمة نستحق عليها كيل التهم؟!
أجل كانت الجلسة مع الشيخ بهلول وقصصه الغريبة وذكرياته الشيّقة ومواقفة الجميلة جلسة لا تُمل وكذلك الجلوس مع الأتقياء والزهاد حيث يجري الله على ألسنتهم الحكمة وأخيرا لما أقترب موعد ذهابه طلبت منه أن يكتب بخط يده إجازة نشر ما ترجمته من مذكراته والتقطت معه صورة تذكارية وضعتها مع خطة في هذا الكتاب ولا أنسى حينما ركب السيارة كان يؤكد عليّ اتخاذ طريق يؤدي سريعا إلى المسجد فقد كان وقت إلقاء محاضرته وشيكا مما يدلك هذا على حرصه للوفاء بالوعد والحضور في أول الوقت.
وأذكر أيضا أننا لما أردنا التقاط صور معه لم يقبل بذلك إلا بعد الإصرار الشديد ولكنه قال: لا تكثروا.
إلا إننا أكثرنا حرصا على الفرصة الثمينة مع الرجل التاريخي أو لعل الكثرة عندنا وعنده أمر نسبي مما سببنا له عدم الارتياح.
فقال: أنا غير راضٍّ وأرجوا أم لا تظهر الصور الإضافية. إنها إسراف!
والعجيب أنه بمجرد أن تفوه بهذه الكلمة توقفت (الكاميرا) عن التصوير! فأصابتني الدهشة ولم يسعني إلا أن قلت: الله أكبر!!
أتمنى أن ينال إعجابكم هل أكمل أم انه لم يعجبكم ؟؟
إن أعجبكم فانتظروا مع كلمة والقصة التي سيحكي لنا في البداية الشيخ بهلول و قرارات العائلة البهلوية!!
تحياتي