استفاقة / فاقة
(1)
هي :
( نظرة أولى )
عقارب الساعة تمضي في بلادة مرهقة ، تتدثر بالغطاء ، تتشبث به ، لا يظهر منها سوى وجهها ، ملامحها تبدو غارقة في اليأس ، تقطب جبينها ، تدير رأسها بعنف إلى الجهة الأخرى ، تغطي وجهها بغضب ، تتصاعد أنفاسها تحت الغطاء ، تخفت شيئا فشيئا ، تنتظم ، تغط في نوم عميق ..
هو :
( مكان أول )
يعود من عمله ، يلقي بسلسة مفاتيحه وهاتفه أينما اتفق ، يغير ملابسه بطريقة روتينيه اعتادها كثيرا ، يلقي بثقله على مقعده المريح ، يدلك رقبته بيديه ، يتأوه قليلا ، يرخي جسده ، يشعر بخدر يسري في أوصاله ، يطرد النعاس ، يتململ في مكانه ، يغلق عينيه بشده ، يبعد يديه عن مقبض الكرسي ، يحني رأسه لجهة اليمين ، لحظات ويتحول التماس الراحة لدقائق إلى رغبة عارمة في النوم ، يحاصره النوم من كل مكان ، جو الغرفة البارد ، الهدوء الذي لا يشتته سوى صوت المكيف ، يعززان رغبته في الاسترخاء ، يهوي برأسه على الطاولة أمامه .. تخرس كل الأشياء ، ويبقى النوم وحده يحكي في مخيلته تفاصيله الباقية ..
__________________________________________
(2)
هي :
الربيع لا يزهر إلا مرة واحدة في العمر !
تتأمل نفسها في المرآة بصمت ،، تلوي فمها بحنق ، تشيح بوجهها عن المرآة بنفور واضح ، تغمض عينيها ، تدندن بلحن خطر في بالها لوهلة ، تمتلك صوتا جميلا رغم كل شيء .. كل الذئاب التي غرست في جسدها إحساس اليتم لم تستطع إخراس صوتها ، ما زال صوتها الشيء الوحيد الذي يقاوم جو حكايتها المتعفن ، تزايد إحساسها بالخوف ، رسمت خطوطا في الهواء ، قلبا ، أبا ، حبا ، أما ، عطفا ، قلبا ، قلبا وقلبا !
الربيع لا يزهر إلا مرة كل عام ..
ومرة واحدة في العمر ..
مرة واحدة في القلب ..
وحين ينطفئ ..
يحين الخريف ..
هو :
الخريف يسرع في القدوم
ثمانية وعشرون عاما ، أنامله رسمها التعب شيئا مختلفا ، يديه ، وجهه ، أحلامه ، هو ، ثمانية وعشرون عاما ، بـ 365يوما في العام ، بـ 365معضلة كل عام ، بأحلام تأكل ، تشرب ، تنام في الذاكرة ، تحتل ، تمارس السحر في القلب ، ويتربع شوق الحياة ، تعب ، ألم ، تمضي الحياة ، عمل ، نوم ، ديناميكية بغيضة ، وجهاز وحيد يتصدر قائمة التنفيس ، ( هيا أستخرج غضبك من الحياة ، سخطك المحموم ، ضياعك ، أنانيتك ، رغباتك المكتومة ( فيّ ) وبين متاهاتي ، أدعوك لتغيب في عالمي عن وعي إخفاقاتك .. تجرد من إحساسك بالمسئولية ، دع يديك تنطلقان عند عتبات لوحة حروفي )
يخال الحياة كله تناديه هنا ، وجه آخر للحياة ، يتجرد من مسئولياته البغيضة ، يخلع قناعه ، يبدله بآخر ، وآخر !
فالخريف يسرع في القدوم ..
__________________________________________
(3)
هي :
الحكايات لا تتشكل كما نريد ، و نحن لسنا إلا بعثرة الحكاية ..
ملل ، سأم ، ورغبة عارمة في الموت ، نداء للسماء لا يتوقف ، يا روح لا تبقي في الجسد ، تلقي الكتاب الذي بين يديها بسأم ، تعبث يديها بحبات المسجل ، ينبعث صوت الموسيقى منخفضا ، تعليه ، تنقر بشده على الحائط ، تزداد عصبيتها ، تطفأ المسجل ، كل الأشياء أصبحت مملة ، تهمس لنفسها ببرود ..
تجيل نظرها في أرجاء الغرفة ، لا شيء يبعث البهجة ..
تخرج من غرفتها ، يطال برود غرفتها الأشياء ، كل الأماكن في منزلها مصابة بالتجمد ، حتى الناس هنا غارقون في الذات بشكل غريب ، منزلهم الضيق لا يحتويهم ، يتبعثر حضورهم في أرجائه الضيقة ، ولا يلتقون .. ولن يلتقوا !
تلقي نظرة خاطفة على والدتها وهي تطهو الطعام ، تحاول إقامة حديث مشترك ، تفشل ، كل محاولات الحوار تبوء بالفشل مع قاطنيّ هذا المكان ، ربما قلبها فاشل في إتاحة فرص الاقتراب ! وربما هم فاشلون في السلوك إليه – قلبها - .
أختان وأخ وأم وأب .. وبرود ، وصقيع ، جوع إلى كل معاني العاطفة ..
أحست بالملل ، أنسلت بصمت من المطبخ ، قصدت غرفتها ، التقطت الكتاب الملقى بإهمال ..
التقطت قلما :
الحكايات لا تتشكل كما نريد ..
ونحن لسنا إلا بعثرة للحكاية !
هو :
نحن أكثر من بعثرة لحكاية ، بعثرة ، تصنع .. وجود حكايات أخرى !
عينيه تتابعان الشاشة بشغف ليس بالغريب ، إحساس طاغ بالفرحة يملؤهما ، سماء أخرى ، ووجود آخر يتنفس هوائه ، شخص آخر يسكنه ، طفل ، لا بل ربما مراهق ، قد يكون كلاهما ، فالطفل يجذبه سحر اللعبة ، يساق إليها دون وعي ، والمراهق يدرك أن النار تحرق يديه فيلتمس منها الدفء دون الاحتراق ، هو بينهما ، شغف الطفل ، وعي المراهق البسيط ، وقد تتاح له الفرصة لإظهار وعي الراشد الذي يحاول كبته في أعماقه ..
يصيغ بيديه خطوط الحكايات ، اليوم كانت بطلة حكايه أنسه فتاة مراهقة ، وغدا قد يحلو له حديث مطلقة وربما بعد غد تستهويه المتزوجه ، يضم بريده شتى أنواع الزهر ، والعبير يستهويه لاستنشاق المزيد ، روائح الورود لا تضاهي روائح المخدر الذي يستنشقه هو بقناعه الآخر ، هو يريد أن يعيش الحياة ، إذن فلن يكون مجرد بعثرة حكاية ..
يسند رأسه إلى الكرسي براحة ، وابتسامة ..
يغمض عينيه لثواني ، ليكمل بنشاط أكبر ..
يهمس لنفسه ..
نحن أكثر من بعثرة لحكاية ، بعثرة ، تصنع .. وجود حكايات أخرى !
ملاحظة :
( مع ان البسطة الادبية في حالة خمول ، مع هذا فلا بأس أن اطرح هذه القصة للقراءة مع عدم تجاوب الآخرين 
فلا بأس من مجرد القراءة وان كان هذا يحبط قليلا ) ..
وقد اكمل ..
همس